
متابعة: مروان محمد
في الوقت الذي يُفترض فيه أن تهذب الروح وتخفت الشياطين، استيقظ الشارع المصري على وقائع تقشعر لها الأبدان: طعنة في صدر زوج بسبب خلاف على “عزومة”، وتمثيل بجثة زوجة في مشهد يتجاوز الخلاف التقليدي إلى الوحشية.
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة ليس “كيف حدثت الجريمة؟” بل: لماذا ينفجر العنف في نهار رمضان تحديداً؟ .
المشرط القانوني والتحليل الميداني
رؤية: اللواء أشرف عبد العزيز – الخبير الأمني والاستراتيجي

يحلل اللواء أشرف عبد العزيز هذه الظاهرة من منظور “سيكولوجية الجريمة اللحظية”، مؤكداً أن العنف الرمضاني لا ينتمي في الغالب إلى الجرائم المنظمة، بل هو “انفلات ضبطي مؤقت” يقع تحت ضغوط بيئية محددة.
• ذروة الانفجار (ساعة الخطر): تشير القراءات الميدانية إلى أن 70% من مشاجرات الشوارع والبيوت تتركز في القوس الزمني ما بين “العصر والمغرب”. وهي الفترة التي يسميها الخبراء “ساعات الاستنزاف العصبي”، حيث يصل التركيز الذهني إلى أدنى مستوياته، بينما تبلغ الاستثارة العصبية ذروتها.
• الفراغ الردعي اللحظي: يوضح اللواء أشرف أن خطورة هذه الجرائم تكمن في وقوعها داخل “المساحات الخاصة” (المنازل) التي لا تصل إليها الدوريات الأمنية، مما يخلق حالة من غياب الرقابة الخارجية في لحظة يفقد فيها الفرد رقابته الداخلية.
• حسم القانون: يشدد سيادة اللواء على أن القانون المصري لا يعرف ما يسمى بـ “الاستفزاز الرمضاني”؛ فالصيام ليس عذراً مخففاً، بل إن القضاء يتعامل مع الجريمة كفعل مجرد، وقد تُعتبر استباحة حرمة الشهر ظرفاً مشدداً في وجدان المجتمع.
خلف الشاشات.. أين تشتعل النيران؟ .
رؤية: الدكتورة إيناس عبد العزيز – خبيرة الأمن الرقمي والتحليل السلوكي
تغوص الدكتورة إيناس في عمق المشهد الرقمي، معتبرة أن الشاشات تتحول في رمضان إلى “مفاعلات حرارية” تشحن النفوس قبل الصدام الجسدي، وتطرح رؤيتها من واقع الخبرة التقنية:
• فخ “المقارنة القاتلة”: تؤكد د. إيناس أن الخطر الرقمي يكمن في “الفجوة الإدراكية”؛ حيث يتعرض الصائم المجهد اقتصادياً لتدفق صور (موائد البذخ، والتناغم الأسري المصطنع) عبر “التريندات”.
هذا يولد شعوراً لا واعياً بالدونية أو الفشل، يبحث عن “مخرج” عنيف عند أول احتكاك منزلي.
• التشوهات المعرفية: تشير إلى أن المحتوى الذي يصور العلاقة الزوجية كـ “معركة ندية” يبرمج العقل الباطن على تبني ردود فعل دفاعية حادة (Aggressive Defense).
• الإرهاق المعلوماتي: قضاء ساعات طويلة أمام الشاشات أثناء الصيام يستهلك الطاقة الذهنية المتبقية لضبط النفس، مما يجعل الدماغ يفقد قدرته على “الفلترة” الاجتماعية، فتتحول الكلمة العابرة إلى شرارة لمأساة.
التفسير العلمي.. الدماغ في وضع “الهشاشة”
بعيداً عن الآراء، يشير العلم إلى أن انخفاض مستويات الجلوكوز يؤثر مباشرة على منطقة الدماغ المسؤولة عن ضبط السلوك.
ومع ارتفاع هرمون التوتر (الكورتيزول) ونقص النوم، يصبح الجهاز العصبي في حالة “استعداد دفاعي”؛ حيث يعلو رد الفعل على الفعل، ويتقلص التفكير العقلاني لصالح الغريزة.
الخلاصة: كيف نكسر الحلقة؟
إن رمضان بريء من دماء الضحايا، فالجريمة ليست موسمية، بل هي موسمية الظهور. نهار الصيام يعمل كعدسة مكبرة تكشف:
1. هشاشة التحكم الانفعالي وضعف مهارات التواصل.
2. أثر المقارنات الرقمية المدمرة.
3. الضغط الاقتصادي الذي يحول “صلة الرحم” إلى عبء نفسي.
كلمة أخيرة:
حين يجوع الجسد، يجب أن يصحو الضمير. الصيام اختبار للأعصاب لا للطعام، ولا يكفي أن نمتنع عن الأكل إذا لم نتعلم كيف نهدأ.





