
بينما كان العالم يترقب تهدئة هشة، انفجر المشهد العسكري على الحدود الأفغانية الباكستانية فجر اليوم الجمعة في تصعيد هو الأخطر منذ عقود. لم تعد المسألة مجرد مناوشات حدودية أو مطاردة لمسلحين، بل أعلنت إسلام آباد رسمياً دخولها في “حرب مفتوحة” مع حكومة طالبان في كابول، في تحول استراتيجي يضع المنطقة بأكملها على فوهة بركان.
ساعة الصفر: جحيم “غضب للحق”
تحت جنح الظلام، انطلقت العملية العسكرية الباكستانية الكبرى التي أطلق عليها اسم “غضب للحق”. وللمرة الأولى، لم تكتفِ المقاتلات الباكستانية باستهداف المناطق الجبلية الوعرة، بل نفذت غارات جوية وصفت بالصادمة طالت العاصمة كابول ومدينة قندهار، المعقل الروحي لحركة طالبان.
دوي الانفجارات في حي “وزير أكبر خان” بكابول كان بمثابة إعلان لنهاية حقبة “الصبر الاستراتيجي” الباكستاني. التقارير الميدانية الواردة تشير إلى تدمير مستودعات ذخيرة استراتيجية وشل حركة ثلاث كتائب أفغانية، فضلاً عن تدمير عشرات العربات المصفحة التابعة لقوات طالبان. وعلى الأرض، تحولت الحدود إلى خط نار مستعر؛ حيث اندلعت اشتباكات ضارية في 15 قطاعاً حدودياً، وأعلنت إسلام آباد السيطرة على 18 موقعاً كانت تحت نفوذ طالبان، في حين أكدت مصادر ميدانية سقوط مئات القتلى والجرحى من الجانبين، وسط روايات متضاربة حول حجم الخسائر البشرية في صفوف المدنيين بمدن خوست وبكتيكا.
هذا الانفجار الميداني ليس وليد اللحظة، بل هو الانفجار الحتمي لغرفة غاز ظلت تمتلئ بالتوترات على مدار عقود، فما هي الجذور التي أدت بنا إلى هذه الحرب المفتوحة؟ .
١. الجذور التاريخية: جرح لم يندمل منذ 1893
لفهم لماذا تقصف باكستان كابول اليوم، يجب أن نعود 133 عاماً إلى الوراء. يكمن جوهر الصراع في “خط دوراند”، تلك الحدود التي رسمها الدبلوماسي البريطاني السير هنري مورتيمر دوراند عام 1893 لتكون فاصلاً بين الراج البريطاني وأفغانستان.
هذه الحدود كانت “الخطيئة الأصلية”، فقد رسمت بعقلية استعمارية تجاهلت الواقع العرقي والقبلي، فشطرت قلب الأراضي التي تسكنها القبائل البشتونية إلى نصفين، فاصلاً العائلات عن بعضها. وعندما ولدت باكستان عام 1947، ورثت هذا الخط، لكن أفغانستان كانت الدولة الوحيدة التي رفضت الاعتراف به كحدود دولية، وما زالت جميع الحكومات الأفغانية –من الملكية إلى طالبان– ترفض شرعية هذا الخط الذي تعتبره “بترًا” لجسدها القومي.
٢. من الجهاد إلى “الارتداد الاستراتيجي”
شكل الغزو السوفيتي لأفغانستان عام 1979 منعطفاً تاريخياً، حيث تحولت باكستان إلى القاعدة الخلفية للمجاهدين بدعم دولي. خلال هذه الفترة، صاغت المؤسسة العسكرية الباكستانية عقيدة “العمق الاستراتيجي”، وهي الرغبة في وجود حكومة موالية في كابول لضمان أمن حدودها الغربية وتجنب الوقوع بين فكي كماشة (الهند شرقاً وأفغانستان معادية غرباً).
هذه العقيدة هي التي دفعت إسلام آباد لدعم ظهور حركة طالبان في التسعينيات. وحتى بعد أحداث 11 سبتمبر، لعبت باكستان “لعبة مزدوجة” معقدة؛ فبينما كانت حليفاً لواشنطن في “الحرب على الإرهاب”، كانت أجزاء من مؤسستها توفر ملاذات آمنة لقيادات طالبان. لكن اليوم، يبدو أن “الوحش” الذي ساهمت باكستان في صنعه قد انقلب عليها.
٣. معضلة طالبان الباكستانية (TTP): القنبلة الموقوتة
تمثل حركة طالبان الباكستانية (TTP) العقدة المركزية في الحرب الحالية. هذه الحركة التي تستهدف الدولة الباكستانية تجد اليوم ملاذاً آمناً في أفغانستان تحت ظل “إخوانهم” في طالبان الأفغانية.
تتهم إسلام آباد حكومة كابول صراحة بإيواء قيادات (TTP)، بينما تجد طالبان الأفغانية نفسها في معضلة؛ فهي لا تستطيع التخلي عن حلفائها الذين شاركوهم القتال ضد الأمريكيين بدافع الروابط العرقية والدينية. ما تراه باكستان “خيانة وتواطؤاً”، تراه طالبان التزاماً بوشائج القربى. هذا الانسداد السياسي هو ما فجر شرارة العمليات العسكرية الحالية.
٤. الميزان العسكري والأبعاد الدولية
في هذه الحرب المفتوحة، تبرز فجوة هائلة في القوى؛ فباكستان تمتلك جيشاً نظامياً نووياً مدعوماً بسلاح جوي متطور يمكنه فرض كلفة باهظة من الجو. في المقابل، تمتلك طالبان قوة من 170 ألف مقاتل متمرسين على “حرب العصابات” والتضاريس الوعرة، ولديهم “نفس طويل” لاستنزاف القوات النظامية.
إقليمياً، تراقب القوى الكبرى هذا المشهد بقلق بالغ:
• الصين: تخشى على استثمارات “الممر الاقتصادي” (CPEC) التي أصبحت في مرمى النيران.
• الهند: التي تتهمها إسلام آباد باستغلال الأراضي الأفغانية لزعزعة استقرارها، مما يزيد من تعقيد الحسابات الباكستانية.
• إيران: التي عرضت الوساطة لتجنب فيضان الفوضى إلى أراضيها.
الخلاصة: إلى أين؟
ما نراه اليوم في فبراير 2026 هو سقوط كامل لأقنعة الدبلوماسية. لقد انتقلت باكستان من سياسة “الاحتواء” إلى سياسة “المواجهة الشاملة”. إن جذور الصراع أعمق من أن تحسمها غارة جوية أو زحف بري؛ فهي تتعلق بهوية حدودية وعرقية لم تحسم منذ القرن التاسع عشر.
وإلى أن تقبل كابول بخط دوراند، أو تجد إسلام آباد طريقة للتعامل مع الواقع البشتوني العابر للحدود بعيداً عن لغة السلاح، سيبقى هذا الصراع جرحاً مفتوحاً في خاصرة آسيا الوسطى، يهدد بحرق الجميع في ناره.
