أخباردين

الأصول الثلاثة في الدين الإسلامي

بقلم: د. ياسر جعفر

إذا كانت الأصول الثلاثة أكبر عون على شرح كلمة التوحيد، فيجمل بنا أن نصنفها بنصها لما فيها من الفائدة الكبرى والفضل العميم؛ فالواجب على كل مسلم ومسلمة أن يتعلم ثلاثة أصول، وهي: معرفة ربه، ودينه، ونبيه ﷺ.

الأصل الأول:

فإن قيل: “من ربك؟” فقل: “ربي الذي رباني بنعمته وخلقني من عدم إلى وجود”، والدليل قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}. وإذا قيل لك: “بأي شيء عرفت ربك؟” فقل: “عرفته بآياته ومخلوقاته”.

أما الدليل على آياته فقوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ۚ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}. ودليل مخلوقاته قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}.

وإذا قيل لك: “لأي شيء خلقك الله؟” فقل: “خلقني لعبادته وطاعته، واتباع أمره واجتناب نهيه”. ودليل العبادة قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}. ودليل الطاعة قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}؛ يعني كتاب الله وسنة نبيه ﷺ.

وإذا قيل لك: “أي شيء أمرك الله به ونهاك عنه؟” فقل: “أمرني بالتوحيد ونهاني عن الشرك”. ودليل الأمر قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}. ودليل النهي عن الشرك قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا}، وقوله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ}.

(الأصل الثاني):

إذا قيل لك: “ما دينك؟” فقل: “دين الإسلام”، وهو الاستسلام والإذعان والانقياد إلى الله، والدليل قوله تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، وقوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}.

وهو مبني على خمسة أركان: أولها الشهادة “أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً”.

فأما دليل شهادة “أن لا إله إلا الله”: فقوله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.

وأما دليل “أن محمداً رسول الله”: فقوله تعالى: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}.

ودليل الصلاة: قوله تعالى: {فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ۚ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا}.

ودليل الزكاة: قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.

ودليل الصوم: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. وإذا قيل لك:

“الصوم شهر؟” فقل: “نعم”، والدليل قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}.

وإذا قيل لك: “الصوم في الليل أو النهار؟” فقل: “في النهار”، والدليل على ذلك قول الله سبحانه وتعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}.

ودليل الحج: قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}.

وإذا قيل لك: “ما الإيمان؟” فقل: “أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره من الله تعالى”، والدليل قوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}.

ودليل القدر: قوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}.

وإذا قيل لك: “ما الإحسان؟” فقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ}.

وإذا قيل لك: “منكر البعث كافر؟” فقل: “نعم”، والدليل قوله تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا ۚ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ۚ وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}.

(الأصل الثالث):

وإذا قيل لك: “من نبيك؟” فقل: “محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، وهاشم من قريش، وقريش من كنانة، وكنانة من العرب، والعرب من ذرية إسماعيل، وإسماعيل من إبراهيم الخليل، وإبراهيم من نوح، ونوح من آدم، وآدم من تراب”، والدليل قوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ}.

وإذا قيل لك: “من أول الرسل؟” فقل: “أولهم نوح، وآخرهم وأفضلهم محمد ﷺ”، والدليل قوله تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ}.

وإذا قيل لك: “هل منهم رسل؟” فقل: “نعم”، بدليل قوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}.

وإذا قيل لك: “محمد بشر؟” فقل: “نعم”، والدليل قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}.

وإذا قيل لك: “محمد عبد؟” فقل: “نعم”، والدليل قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ}.

وإذا قيل لك: “كم عمره؟”.

إليك تصحيح الجزء الأخير من الأصل الثالث والخاتمة، مع ضبط الهمزات وعلامات الترقيم والتنصيص والالتزام بصياغتك الأصلية:
“فقل: ثلاث وستون سنة، منها أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون رسولاً نبياً؛ نبئ بـ (اقرأ) وأُرسل بـ (المدثر)، وبلده مكة. خرج على الناس فقال: (يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً)، فكذبوه وآذوه وطردوه وقالوا: ساحر كذاب؛ فأنزل الله عليه: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}.

بلده مكة وولد فيها، وهاجر إلى المدينة وبها توفي؛ دُفن جسمه وبقي علمه، نبي لا يُعبد ورسول لا يُكذب، بل يُطاع ويُتبع، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

وإلى هنا انتهت الأصول الثلاثة، ولا ريب أن العلماء اختلفوا في أمر نبوته ﷺ ورسالته؛ هل نبئ وأرسل مرة واحدة، أكان من أول الأمر نبياً ورسولاً، أم نبئ أولاً بـ (اقرأ) ثم أرسل بـ (المدثر)؟ ولكل وجهة ودليل. وإن المرجح أنه نبئ وأرسل مرة واحدة، وإن الرسالة لم تكن بـ (المدثر) وإنما كانت بقول الله: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}، وأنه ﷺ صعد الصفا ونادى بأعلى صوته: (يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً).

ولا يبعد أن يُجمع بين هذا وذاك؛ فيكون الأمر بالتبليغ عامة بالمدثر، وبالتبليغ خاصة بآية الحجر، ولا مانع من هذا، وإنما غرضنا أن يعرف الناس أمر هذا الخلاف وتفهمه على حقيقة أمره.

وإلى هنا أكتفي بهذا القدر.”

زر الذهاب إلى الأعلى