الحقيقة لا يحسمها “الترند” بل الدليل.. قراءة عقلانية في جدلية مذكرات فريد الديب

متابعة: مروان محمد
أعادت التصريحات الأخيرة للمحامي الأكاديمي الدكتور محمد حمودة، بشأن مساهمته في صياغة مذكرات الدفاع الخاصة بالراحل الأستاذ فريد الديب في “قضية القرن” (محاكمة الرئيس الأسبق حسني مبارك)، فتح ملفات شديدة الحساسية، مسببةً موجة عارمة من الجدل في الأوساط القانونية والإعلامية.
وبدلاً من أن يُدار النقاش في إطار توثيقي وقانوني منضبط، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة للمحاكمات المتبادلة والأحكام المسبقة المنحازة .
وفى لقاء مع الخبير الامنى والاستراتيجى اللواء اشرف عبدالعزيز …

فى خضم هذا الاستقطاب، نرى أن التعامل مع هذا الملف يجب أن يتحرر من منطق “الانتصار الشخصي” لصالح منطق “البحث عن الحقيقة التاريخية”. إن مكانة الراحل فريد الديب راسخة في وجدان العدالة المصرية، والبحث في كواليس أضخم قضية شهدها التاريخ الحديث لا ينبغي أن يتحول إلى معركة تصفية حسابات أو محاولة للنيْل من الرموز.
من هنا، نقدم قراءة موضوعية ترتكز على الشواهد والمنطق، بعيداً عن الانفعال اللحظي.
دوافع الهجوم: بين الخصومات المسبقة وركوب موجة “الترند”
المتأمل للمشهد الراهن يلحظ بوضوح أن حملة الهجوم الشرسة التي وُجهت ضد الدكتور محمد حمودة لم تكن كلها مبررة بالدفاع عن التاريخ، بل تداخلت فيها عدة عوامل وصفتها القراءة التحليلية للمشهد بدقة:
تصفية الخصومات السابقة: استغل البعض الأزمة لتصفية حسابات مهنية أو شخصية قديمة مع الدكتور حمودة، فتحولت القضية من نقاش حول “مستندات وتوثيق” إلى تصفية تصفية حسابات مسبقة.
التربص والترصد: برزت رغبة واضحة لدى بعض الأطراف في الترصد لرواية الرجل ومحاولة إسقاطها جملة وتفصيلاً دون إتاحة الفرصة للفحص العلمي أو القانوني.
ركوب موجة “الترند”: انخرطت منصات إعلامية وحسابات افتراضية في الهجوم لمجرد مواكبة الرأي العام السائد وصناعة تفاعل وهمي (ترند)، بغض النظر عن قيمة المحتوى أو دقة الطرح.
مفارقة المشهد: يأتي هذا الضجيج المتصاعد من أطراف هجومية متعددة، في ظل اختفاء تام وصمت غامض لأصحاب القضية الأصليين (من أسرة الرئيس الأسبق أو الدائرة الضيقة اللصيقة به)، وهم الأجدر والوحيدون القادرون على حسم الجدل بكلمة قاطعة.
هذا الغياب ترك الساحة نهباً للمزايدات والاجتهادات غير المستندة إلى حقائق
مكانة فريد الديب.. قامة قانونية عصية على الانتقاص
قبل الخوض في التقييم، ثمة حقيقة بنيوية لا تقبل القسمة على اثنين: الأستاذ فريد الديب كان –وسيظل– أحد أعمدة المحاماة العربية، وصاحب مدرسة جنائية متفردة. إن تاريخه المهني أضخم من أن ينال منه خلاف حول تفاصيل إجرائية في قضية بعينها.
ومن الخطأ المهني الفادح اختزال النقاش في معادلة صفرية توحي بأن الاستماع لرواية حمودة يعد انتقاصاً من الديب، أو أن الدفاع عن إرث الديب يقتضي إدانة حمودة. إن قيمة فريد الديب مستقرة في التاريخ، والبحث التوثيقي لا يقلل من القامات، بل يمنح الحدث حجمه التاريخي الحقيقي.
الشواهد المنطقية: هل كان “حمودة” عابراً في المشهد؟
إذا تجاوزنا لغة العواطف واحتكمنا للمنطق القانوني، تبرز أمامنا تساؤلات جوهرية تستحق التوقف:
1. لماذا تم اللجوء إلى محمد حمودة ابتداءً؟
البيان المنسوب للمحامي الكبير منتصر الزيات أشار إلى أن د. محمد حمودة كان من أوائل الذين تواصلت معهم أسرة الرئيس الأسبق إبان اندلاع الأزمة في ٢٠١١. والمنطق السياسي والأمني يؤكد أن العائلات الحاكمة –خاصة في لحظات الأزمات الوجودية– لا تختار مستشاريها القانونيين عشوائياً، ولا تمنح ثقتها إلا لشخصيات تمتلك الكفاءة والقدرة على إدارة ملفات بالغة الحساسية والتعقيد. هذا التواصل المبكر يُعد قرينة قوية على أن الرجل لم يكن مقحماً على المشهد.
2. معضلة “التوكيلات الرسمية”
تظل مسألة صدور توكيلات رسمية لصالح الدكتور حمودة في بداية الأزمة النقطة الأكثر ثقلاً. فالتوكيل في العُرف القانوني ليس مجاملة بروتوكولية، بل هو أداة تمنح صلاحيات خطيرة. وحتى لو دفع البعض بأن تلك الفترة لم تكن قد شهدت توجيه اتهامات رسمية بعد، فإن السؤال يظل قائمًا: لماذا صدرت هذه التوكيلات إن لم يكن هناك دور قانوني مرتقب ومحوري أُسند إليه؟
3. وزن الشخصية القانونية ودوافع الادعاء
الدكتور محمد حمودة ليس شخصية مجهولة تبحث عن ضوء الشهرة؛ فهو أكاديمي بارز حاصل على الدكتوراه من جامعة “السوربون” الفرنسية، ولديه مسيرة مهنية حافلة.
وبالرغم من أن المؤهلات العلمية لا تُغني عن الدليل، إلا أنه من الصعب افتراض أن قامة قانونية بهذا الوزن قد تغامر برصيدها المهني وتاريخها عبر إطلاق ادعاءات يسهل دحضها بالمستندات.
هذا الأمر يفرض على المحللين احترام الرواية وفحصها بدلاً من تسفيهها.
طبيعة القضايا الكبرى: العمل الجماعي لا يلغي دور “المايسترو”
هل مشاركة آخرين في صياغة مذكرات الطعن أو الدفاع المنتقص تسيء للراحل فريد الديب؟ الإجابة القاطعة: لا.
في جميع المحاكمات التاريخية الكبرى عالمياً ومحلياً، لا يعمل المحامي الرئيسي بمفرده؛ بل تقف وراءه خلايا عمل كاملة وغرف عمليات تضم باحثين، وأكاديميين، ومستشارين لجمع الأدلة وتكييف النصوص القانونية. وجود د. محمد حمودة أو غيره في مرحلة من المراحل يعكس ضخامة القضية وتشابكها، ولا يسحب البساط قط من تحت أقدام “قائد فريق الدفاع” الأستاذ فريد الديب الذي قاد المعركة في قاعة المحكمة بعبقريته المعهودة.
بيان “مكتب فريد الديب”.. دفاع مشروع ومساحات شاغرة
حمل البيان الصادر عن مكتب الأستاذ الراحل لغة حاسمة ودفاعاً مشروعاً عن إرثه، وهو أمر طبيعي ومفهوم سيكولوجياً ومهنياً. غير أن المراقب المحايد يلحظ أن البيان أغفل الإجابة الفنية عن تساؤلات مفصلية:
هل صدرت تلك التوكيلات الموثقة بالفعل أم لا؟
ما هي الحدود الرسمية للدور الذي لعبه الدكتور حمودة في المرحلة التحضيرية الأولى؟
إن غياب الإجابات القاطعة والمستندة إلى وثائق ينفي عنها صفة الحسم، ويبقي الباب مفتوحاً أمام التقييم التاريخي.
الخلاصة: التاريخ يكتبه الدليل لا “الترند”
إن الأزمة الحقيقية التي تكشفها هذه الواقعة هي تفشي ظاهرة إدارة القضايا التاريخية بمنطق “الصوت الأعلى” وهيمنة منصات التواصل الاجتماعي. لكن التاريخ الأكاديمي والقانوني لا يعترف بـ “الترند”، ولا تُحسم حقائقه بـصيحات الاستهجان أو لغة السخرية والمزايدات وتصفية الحسابات.
القضية في جوهرها ليست صراعاً شخصياً بين قامات نعتز بها جميعاً، بل هي حق أصيل للرأي العام في توثيق مرحلة مفصلية من تاريخ مصر الحديث. سيبقى فريد الديب رمزاً خالداً في محراب العدالة، ويبقى الدكتور محمد حمودة قيمة أكاديمية وقانونية معتبرة، وتظل روايته خاضعة لمعيار واحد فقط: المستند والوثيقة.
إن الحقيقة لا تحتاج إلى ضجيج أو تربص… الحقيقة تحتاج فقط إلى دليل
