دين

دكتور ياسر جعفر يكتب: ما نَقَصَتْ صَدَقةٌ مِن مالٍ

منحٌ من الله للعباد؛ نحن في شهر الصيام، شهر رمضان بابه الصيام “باب الريان”. والصدقة في هذا الشهر يحتاجها كثير من الفقراء والمساكين والمحتاجين والمرضى، وهي باب من أبواب الجنة يسمى “باب الصدقة”.

اغتنم الفرص أخي القارئ، واحذر من تلاعب النفس بأن تتكاسل عن الصدقات وعمل الخيرات، واجعل من هذا الشهر شحناً روحانياً لجميع السنة إلى رمضان المقبل إن شاء الله، واجعل أيامك كلها مسارعة في الخيرات؛ ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه: (ما نَقَصَتْ صَدَقةٌ مِن مالٍ، وما زادَ اللَّهُ عَبْدًا بعَفْوٍ إلَّا عِزًّا، وما تَواضَعَ أحَدٌ للَّهِ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ) [صحيح مسلم].

صدقة المال تُطهره وتزيد البركة فيه؛ فإنها تكون طاعة لله، وإغناءً للفقراء، وبها يقطع المتصدق أسباب الشر في النفوس.

وفي هذا الحديث يبين النبي ﷺ أن الصدقة لا تكون سبباً في نقص المال، بل تزيد أضعاف ما يُعطى منه بأن ينجبر بالبركة، والتي تتعدد صورها في النفس والأهل وفي المال ذاته. وأنه وإن نقصت صورته (ظاهرياً)، كان في الثواب المرتب عليها جبراً لنقصه وزيادة إلى أضعاف كثيرة.

وأنه ما زاد الله عبداً بسبب عفوه عن شيء -مع قدرته على الانتقام- إلا عزاً وسيادة وعظمة في القلوب في الدنيا، ويمكن أن يكون المراد أن أجره يكون في الآخرة عزة عند الله.

“وأنَّه ما تواضعَ أحدٌ للهِ؛ بأنْ أنزلَ نفسَه عن مرتبةٍ يستحقُّها لرجاءِ التقربِ إلى اللهِ دون غرضٍ غيره، بلْ تواضعَ للهِ رقاً وعبوديةً في ائتمارِ أمرِه، والانتهاءِ عن نهيِه، ومشاهدتِه لحقارةِ النفسِ، ونفيِ العجبِ عنها؛ إلا رفعَه اللهُ تعالى في الدنيا، أو رفعَه في الآخرةِ، أو فيهما معاً. والتواضعُ هو الانكسارُ والتذللُ، ونقيضُه: التكبرُ والترفعُ.

وفي الحديث: بيانُ فضلِ الصدقةِ.

بيانُ فضلِ العفوِ والصفحِ؛ وأنَّ مَن عُرفَ بالعفوِ والصفحِ سادَ وعظُمَ في قلوبِ الناسِ.

بيانُ فضلِ التواضعِ للهِ سبحانه وتعالى؛ فالمالُ يزيدُ بالصدقةِ على الفقراءِ والمساكينِ والمحتاجينِ والضعفاءِ واليتامى والمرضى.

سارعْ إلى الصدقة؛ فالمالُ مالُ اللهِ، ومالُك يزيدُ بالصدقة. والرسولُ الكريمُ كان أجودَ الناسِ وأكرمَ الناسِ، فكان أجودَ بالخيرِ من الريحِ المرسلةِ، وما سُئلَ شيئاً قط فقال: (لا)؛ بل كان يقول: «أنفقْ يا بلالُ، ولا تخشَ من ذي العرشِ إقلالاً».

صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الذين كانوا يسارعون في الخيرات، ويتنافسون في المبرات، فكانوا ينفقون مما يحبون، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.

فيا أيها الناس: توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تُشغلوا، وصِلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له، وكثرة الصدقة في السر والعلانية؛ تُرزقوا وتُنصروا وتُجبروا؛ فهل تُرزقون وتُنصرون إلا بضعفائكم؟ فابتغوا بأموالكم الضعفاء والمساكين والمحتاجين، فارزقوهم تُرزقوا، وارحموهم تُرحموا، وتاجروا مع ربكم ببرهم والإحسان إليهم؛ فإنها تجارة لن تبور.

فقد ذهب أهل الدثور -أي الأموال- من المؤمنين بالأجور والدرجات العلا والنعيم المقيم؛ يصلون ويصومون ويتصدقون بفضول أموالهم، وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: «لا حسدَ إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه اللهُ مالاً فسلطَه على هلكتِه في الحق، ورجلٌ آتاه اللهُ حكمةً فهو يقضي بها ويُعلّمها». {ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}.

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى والرضوان والفردوس الأعلى.”

 

“صحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: «اليدُ العليا خيرٌ من اليدِ السفلى»؛ العليا: هي المنفقة، والسفلى: هي السائلة. وقال ﷺ: «الأيدي ثلاثة: فيدُ اللهِ العليا، ويدُ المعطي التي تليها، ويدُ السائلِ السفلى؛ فأعطِ الفضلَ ولا تعجزْ عن نفسِك».
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من تصدَّق بعدلِ تمرةٍ من كسبٍ طيبٍ -ولا يقبل الله إلا الطيب- فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوَه -أي مُهره- حتى تكون مثل الجبل».
وعند الإمام الشافعي بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: «والذي نفسي بيده، ما من عبدٍ يتصدق بصدقةٍ من كسبٍ طيبٍ -ولا يقبل الله إلا طيباً، ولا يصعد إلى السماء إلا طيبٌ- إلا كأنما يضعها في يد الرحمن، فيربيها له كما يربي أحدكم فلوَه، حتى إنَّ اللقمة لتأتي يوم القيامة وإنها لمثل الجبل العظيم». ثم قرأ: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 104].
أنفقوا من مال الله الذي آتاكم وجعلكم مستخلفين فيه؛ لينظر كيف تعملون. فأنفقوا من طيبات ما كسبتم؛ فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون؛ فلن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون، وما تنفقوا من خير فلأنفسكم، وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله، وما تنفقوا من خير يوفَّ إليكم وأنتم لا تُظلمون، وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم.
{الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 274].
{قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ: 39].”

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى