فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ

بقلم: د. ياسر جعفر

قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)، وقال تعالى: (فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 256].
ما هو الطاغوت؟ كل ما عُبد من دون الله فهو: طاغوت.
قال الإمام مجاهد بن جبر: “الطاغوت: الشيطان في صورة إنسان يتحاكمون إليه، وهو صاحب أمرهم”.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: “الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله، فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم انصرفوا عن عبادة الله إلى عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إلى الله وإلى الرسول إلى التحاكم إلى الطاغوت، وعن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته”. {إعلام الموقعين المجلد الأول صـ 85}.
ويقول الإمام محمد التميمي رحمه الله: “والطاغوت: عام في كل ما عُبد من دون الله، فكل ما عُبد من دون الله، ورضي بالعبادة، من معبود، أو متبوع، أو مطاع في غير طاعة الله ورسوله، فهو طاغوت”. اهـ [الدرر السنية 1 / 161].
قال الإمام المحقق سليمان بن عبد الله رحمهما الله في شرحه على كتاب التوحيد: “الطاغوت مشتق من الطغيان وهو مجاوزة الحد”. اهـ [تيسير العزيز الحميد: 34].
وهنا نفهم أن الطاغوت هو صاحب الطغيان والظالم المستبد كما هو واضح في الصهيونية الأمريكية والإسرائيلية وغيرهم من أصحاب الطغيان على مستوى العالم الغربي والعربي، والطاغوت كل من يفسد في الأرض ويسعى في الأرض بالفساد، والطاغوت الذي يظلم ومستبد وانتشر بالفساد في الأرض. قال الإمام عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين رحمه الله: “اسم الطاغوت يشمل: كل معبود من دون الله، وكل رأس في الضلالة يدعو إلى الباطل ويحسنه، ويشمل أيضاً: كل ما نصبه الناس بينهم بأحكام الجاهلية المضادة لحكم الله ورسوله، ويشمل أيضاً: الكاهن والساحر وسدنة الأوثان”. اهـ [مجموعة التوحيد: 500]. وقال الإمام عبد الرحمن السعدي: “كل حكم بغير شرع الله فهو: طاغوت”. اهـ [تيسير الكريم الرحمن 1/ 363].
وقال ابن القيم: “الطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع”، وهذا من أدق التعريفات وأشملها.
المعنى العام من القرآن: الطاغوت هو كل ما عُبد من دون الله، أو اتُّبع، أو أُطيع في معصية الله. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [سورة النساء: 60].
قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت) الآية.
قال الشعبي: “كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد؛ لأنه عرف أنه لا يأخذ الرشوة ولا يميل في الحكم، وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود؛ لعلمه أنهم يأخذون الرشوة ويميلون في الحكم، فاتفقا على أن يأتيا كاهناً في جهينة فيتحاكما إليه، فنزلت هذه الآية”.
قال جابر: “كانت الطواغيت التي يتحاكمون إليها: واحد في جهينة وواحد في أسلم، وفي كل حي كهان”.
وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: “نزلت في رجل من المنافقين يقال له (بشر)، كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: ننطلق إلى محمد، وقال المنافق: بل إلى كعب بن الأشرف -وهو الذي سماه الله الطاغوت- فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى المنافق ذلك أتى معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهودي، فلما خرجا من عنده لزمه المنافق وقال: انطلق بنا إلى عمر رضي الله عنه.
فأتيا عمر، فقال اليهودي: اختصمت أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه وزعم أنه يخاصم إليك. فقال عمر رضي الله عنه للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم. قال لهما: رويدكما حتى أخرج إليكما، فدخل عمر البيت وأخذ السيف واشتمل عليه ثم خرج فضرب به المنافق حتى برد، وقال: هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله”.
فنزلت هذه الآية.
وقال جبريل: “إن عمر رضي الله عنه فرق بين الحق والباطل، فسمي الفاروق”.
وقال السدي: “كان ناس من اليهود أسلموا ونافق بعضهم، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل رجل من بني قريظة رجلاً من بني النضير قتل به أو أخذ ديته مائة وسق من تمر، وإذا قتل رجل من بني النضير رجلاً من قريظة لم يقتل به وأعطى ديته ستين وسقاً، وكانت النضير -وهم حلفاء الأوس- أشرف وأكثر من قريظة -وهم حلفاء الخزرج- فلما جاء الله بالإسلام وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، قتل رجل من النضير رجلاً من قريظة فاختصموا في ذلك، فقالت بنو النضير: كنا وأنتم قد اصطلحنا على أن نقتل منكم ولا تقتلون منا، وديتكم ستون وسقاً وديتنا مائة وسق، فنحن نعطيكم ذلك. فقالت الخزرج: هذا شيء كنتم فعلتموه في الجاهلية لكثرتكم وقلتنا فقهرتمونا، ونحن وأنتم اليوم إخوة وديننا ودينكم واحد فلا فضل لكم علينا. فقال المنافقون منهم: انطلقوا إلى أبي بردة الكاهن الأسلمي، وقال المسلمون من الفريقين: لا بل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأبى المنافقون وانطلقوا إلى أبي بردة ليحكم بينهم، فقال: أعظموا اللقمة -يعني الحظ- فقالوا: لك عشرة أوسق، قال: لا بل مائة وسق ديتي، فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوسق وأبى أن يحكم بينهم، فأنزل الله تعالى آية القصاص وهذه الآية: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) يعني الكاهن أو كعب بن الأشرف، (وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا) عن الحق”.
أيها الإخوة المؤمنون: بنظرة هادفة للخير خالية من الأهواء في قول الله سبحانه وتعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [التوبة: 31]، وما فُسرت به أثراً ونظراً من أنهم يحلون لهم الحرام فيحلونه، ويحرمون عليهم الحلال فيحرمونه، وقوله في سورة الأنعام: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) [الأنعام: 121].
أي: إن أطعتموهم فيما يحرمونه من الحلال، ويحلونه من الحرام؛ إنكم لمشركون. وقوله في سورة الكهف: (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً) [الكهف: 26]، وقرأ ابن عامر -أحد القراء السبعة-: (ولا تشركْ) بالجزم، أي: لا تشرك أيها الإنسان في حكمه أحداً.
وقوله: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) [يوسف: 40]، وقوله: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ) [المائدة: 50]، وقوله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) الآيات [المائدة: 44].
وقوله: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) الآية [النساء: 65]. يتبين للناظر أن رفع أحكام شرعية من أحكام الإسلام -معروف حكمها من دين الإسلام بالضرورة- وإحلال قوانين وضعية من صنع البشر مخالفة لها بدلاً منها، والحكم بها بين الناس، وحملهم على التحاكم إليها؛ أن ذلك شرك بالله في حكمه، والمتبع بطواعية لمن فعل ذلك مشرك “شرك الطاعة”، وإن هذين الشركين قرينا شرك العبادة والدعاء، موجب كل واحد منهما للخلود في النار لمن مات عليه؛ إذ لا فرق بين قول الله سبحانه وتعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) [الكهف: 110].
وقوله فيمن: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [التوبة: 31]. وقوله في مجال التحريم والتحليل: (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) [الأنعام: 121].
وقوله عن الشيطان في خطبته التي سيخطب بها فيمن مات على طاعته: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ) [إبراهيم: 22]، أي: أطعتموني واستجبتم لي فيه. فشركهم به شرك طاعة واستجابة، لا شرك ركوع له وسجود.
مَن دعا الناس إلى عبادة نفسه؛ فالذي يدعو الناس إلى أن يعبدوه، ويريد أن يكون إلهاً ولو لم يقل إنه إله، لكن إذا دعا الناس إلى أن يتقربوا إليه بالعبادة ويزعم أنه يشفي مرضاهم، وأنه يقضي حوائجهم التي لا يقدر عليها إلا الله -عز وجل- وأنه يقدر أن يضرهم بما لا يقدر عليه إلا الله. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: 51].
والمؤمن مطالب بمحاربة الطاغوت واجتناب كل ما يؤدي إلى عبادته أو الوقوع في شَرَكِهِ (بفتح الشين) أو شِرْكِهِ (بكسرها). قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 17-18].
وفي الحديث الذي رواه كعب بن عجرة: “إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياءً ومفاخرةً فهو في سبيل الشيطان”. [صحيح الترغيب].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من سعى على والديه ففي سبيل الله، ومن سعى على عياله ففي سبيل الله، ومن سعى على نفسه ليعفها فهو في سبيل الله، ومن سعى مكاثراً ففي سبيل الطاغوت”، وفي رواية: “سبيل الشيطان”. [أخرجه البزار (1871- الكشف)، وأبو نعيم في “الحلية” (6/ 196-197)، والأصبهاني في “الترغيب والترهيب”، قال الألباني في “السلسلة الصحيحة” 5/ 272].




