دكتور ياسر جعفر يكتب: قتلوهُ قتلهُم اللهُ!

من القائل: “قتلوه قتلهم الله!”؟ القائل رسول الإنسانية صلى الله عليه وسلم محذراً من الجهل؛ لأن الجهل يدمر ويقتل ويهلك. الأسرة التي يسودها الجهل، سواء الجهل الشرعي الديني أو الجهل بالعلوم على جميع الأصعدة، يدمر الأسرة، بل يدمر المجتمع بل يدمر الدول؛ ولذلك أعداء الإسلام خاصة من اليهودية والصهيونية الأمريكية يزرعون في بلاد المسلمين رؤوس الجهل لكي يحصدوا الدمار والفشل الشامل في جميع أنواع الوزارات.
مقولة رسول الإنسانية في الحديث الذي رواه جابر بن عبد الله: «خرَجْنا في سفَرٍ فأصابَ رجلًا منَّا حجَرٌ فشجَّهُ في رأسِهِ ثمَّ احتَلمَ فسألَ أصحابَهُ فقالَ هل تَجِدونَ لي رخصةً في التَّيمُّمِ فَقالوا ما نجِدُ لَكَ رُخصةً وأنتَ تقدرُ علَى الماءِ فاغتسَلَ فماتَ فلمَّا قدِمنا علَى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أُخْبِرَ بذلِكَ فقالَ قَتلوهُ قتلَهُمُ اللَّهُ ألا سألوا إذْ لَم يعلَموا فإنَّما شفاءُ العيِّ السُّؤالُ إنَّما كانَ يَكْفيهِ أن يتيمَّمَ ويعصرَ – أو يعصبَ شَكَّ موسَى – علَى جرحِهِ خرقةً ثمَّ يمسحَ عليها ويغسِلَ سائرَ جسدِهِ» (صحيح أبي داود).
بسبب الجهل والفتوى بلا علم، وقعت هذه المصيبة، فالجهل يدمر المجتمعات والدول. يؤكد الحديث أن الإسلام دين يُسر يحفظ الأرواح، وقد غضب النبي صلى الله عليه وسلم على أصحاب الرجل الذين أوجبوا عليه الغسل رغم إصابته، فمات بسبب جهلهم، معتبراً أن الجهل يُداوى بالسؤال والتعلم.
ثمَّ وضَّح النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما كان للرَّجلِ من رُخصةٍ في أمره بقوله: “إنَّما كان يَكفِيه”، أي: الرَّجلَ المحتَلِمَ “أن يَتَيَمَّمَ، ويَعصِرَ -أو يَعصِبَ، شَكَّ مُوسَى-” وهو ابنُ عبدِ الرَّحمنِ، أحدُ رواةِ الحديثِ، أي: شَكَّ أيُّهما قولُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ والمعنى: يربط “على جُرحِه خِرقَةً”، أي: قِطعةً من الثِّيابِ ليَمنَعَ وصولَ الماءِ إليها، “ثمَّ يَمْسَحَ عليها”، أي: على الخرقةِ بالماء، “ويَغسِلَ سائرَ جسدِه”، أي: ثمَّ يُعَمِّمَ الماءَ على باقي جسدِه دون أن يَصِلَ إلى جُرحِه.
وفي هذا الحديثِ: وعيدٌ لمَن يُفتي بدون علمٍ، وخاصة لمَن يتصدَّر للفَتوى. وهنا جهل بالفتوى الشرعية، وجهل بالعلم عند الإصابة في الجسم بجروح وخاصة إذا تملكت الجروح وتلوثت بالبكتيريا المدمرة. ونحن في زمن انتشرت فيه الجامعات والمدارس الخاصة والمعاهد العليا الخاصة التي تنشر الجهل وتكون سبباً في دمار البلاد؛ ولذلك انتشر الجهل والفساد والأخطاء الطبية والصناعية بسبب الجهل، وأصبحت الأمة الإسلامية يعلوها الجهل والتخلف ولذلك في أسفل الدول! .
العلم هو أساس نهضة الأمم، وهو السلاح الحقيقي الذي تبنى به الدول القوية وتُدار به الأزمات بحكمة ووعي. فكل دولة تقدمت وازدهرت إنما كان ذلك بفضل الاستثمار في العلم والمعرفة، بينما سقطت أمم أخرى بسبب انتشار الجهل وسوء الفهم.
(دور العلم في تقدم البلاد: العلم هو المحرك الرئيسي للتنمية الشاملة، ويتجلى ذلك في عدة جوانب):
التخطيط الاقتصادي السليم: العلم يساعد على تحليل البيانات واتخاذ قرارات مبنية على أسس دقيقة، مما يؤدي إلى وضع سياسات اقتصادية ناجحة تقلل من الهدر وتزيد الإنتاج.
الابتكار وزيادة الإنتاج: الدول المتقدمة تعتمد على البحث العلمي والتكنولوجيا في تطوير الصناعات والزراعة، مما يرفع كفاءة الإنتاج ويعزز الاكتفاء الذاتي. والبحث العلمي له دور كبير في تقدم البلاد والسيطرة على الجهل، ففي البحث العلمي فروع عديدة في جميع المجالات التي تبتكر وتخترع في وقت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية؛ على سبيل المثال: عند تدني الطاقة فيكون هناك علماء في الطاقة الشمسية التي تكون بديلاً وتخفف الأعباء على الاقتصاد في الطاقة، وأيضاً طاقة الرياح، وأيضاً الابتكارات والاختراعات في الزراعة… إلخ في جميع المجالات.
ولذلك ينبغي الاهتمام بالبحث العلمي والعلماء والاهتمام بالأوائل وتجنب المحسوبيات التي تدمر الأمة!
(تنمية الموارد البشرية): بالعلم يتم تأهيل الأفراد ليكونوا قادرين على العمل والإبداع، فتتحول القوى البشرية إلى ثروة حقيقية تدعم الاقتصاد.
إدارة الأزمات بوعي: في أوقات الأزمات الاقتصادية، يظهر دور العلم في تقديم حلول مدروسة مثل ترشيد الإنفاق، تنويع مصادر الدخل، وتوقع المخاطر قبل وقوعها.
(دور العلم في السيطرة على الأزمات الاقتصادية): العلم لا يمنع الأزمات فقط، بل يساعد على حتوائها والتعامل معها بفعالية من خلال: تحليل أسباب الأزمة بدقة بدلاً من التعامل العشوائي.
- وضع خطط إصلاح اقتصادي واقعية.
- استخدام الإحصاء والتكنولوجيا في متابعة الأسواق.
- تحقيق التوازن بين العرض والطلب.
الدول التي تعتمد على العلم تستطيع الخروج من الأزمات بأقل خسائر، بل وتحويلها أحياناً إلى فرص للنمو.
(دور الجهل في تدمير البلاد): على الجانب الآخر، يمثل الجهل خطراً حقيقياً يهدد استقرار الدول عبر:
سوء الإدارة واتخاذ قرارات خاطئة: الجهل يؤدي إلى قرارات عشوائية تضر بالاقتصاد وتزيد الأزمات.
انتشار الفساد: غياب الوعي يسهل استغلال الموارد ونهبها دون رقابة.
تراجع الإنتاج: الجهل يضعف مهارات الأفراد ويقلل من قدرتهم على العمل والإبداع.
انتشار الشائعات والفوضى: المجتمعات الجاهلة تكون أكثر عرضة للتضليل، مما يزيد من الاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية.
العلم يبني، والجهل يهدم؛ فالأمم التي تضع العلم في مقدمة أولوياتها تملك مفاتيح القوة والتقدم، بينما تلك التي تهمل التعليم والمعرفة تسير نحو الضعف والانهيار. ولذلك فإن الاستثمار في التعليم والبحث العلمي ليس رفاهية، بل هو ضرورة حتمية لبقاء الدول واستقرارها، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية المتلاحقة.
(العلم سبيل الوصول إلى رضا الله تعالى): العلم نبراس يضيء للناس طريقهم، العلم شرف فوق رؤوس العلماء، به يخشى الخلق ربهم، به يتقونه سبحانه، به يتركون الحرام، ويهجرون المعاصي والذنوب مهما صغرت أو كبرت؛ قال تعالى: «إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ» [فاطر]. ولقد رغب الشارع الكريم في طلب العلم والحث عليه، ووعد على ذلك بعظيم الأجر، وجزيل الثواب؛ قال تعالى: «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ» [الزمر].
وقال تعالى: «يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» [المجادلة]، والنصوص في ذلك كثيرة معلومة. وأخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من يُرِدِ اللهُ به خيراً يُفَقِّهْهُ في الدِّين”؛ ومفهوم الحديث: أن مَن لم يُرِدِ اللهُ به خيراً لم يُفَقِّهْهُ في الدين، وهذه مصيبة عظيمة، وخطب كبير، فيجب على المسلمين جميعاً أخذ هذا الحديث بعين الاعتبار، وعدم إمراره هكذا دون معرفة فقهه وما يُراد منه.
وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فضلُ العلمِ خيرٌ من فضلِ العبادةِ، وخيرُ دينِكُمُ الورعُ” [أخرجه الطبراني في الأوسط، والبزار بسند حسن].
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر” [أخرجه أبو داود بسند حسن، وأخرجه غيره].
فانظروا كيف أن منزلة طالب العلم أعلى المنازل، وأشرف المنايا، وأعظم الدرجات التي يتمناها العبد، ولا يمكن لعبد أن يعبد الله على بصيرة بدون أن يطلب العلم الشرعي، الذي ينبني على أساس المعرفة والعبادة الصحيحة.
فما أعظم طلب العلم الشرعي، وما أعلى شأن صاحبه عند الله تبارك وتعالى! فكل من في السماوات والأرض يستغفر لطالب العلم؛ لأنه قام بعمل لا يقوم به إلا المتقون الخائفون من ربهم، الذين يعرفون حقه حق معرفته، فلذلك هم يتسابقون في ميدان كسب الحسنات، ونيل رضا رب الأرض والسماوات، ولن يدرك أي إنسان هذه الخصلة العظيمة إلا إذا واظب على طلب العلم الشرعي المستمد من الكتاب والسنة المطهرة، وجاهد نفسه، وقمع شيطانه، وهجر الدنيا وزخرفها، وتعلق بما عند الله تعالى.



