أخبارتقارير

كشك القصاصين» بين عاطفة المشهد وحقيقة القانون.. هل تحوّل الابتزاز العاطفي إلى وسيلة لفرض الأمر الواقع؟.. وخبراء: هيبة الدولة خط أحمر

متابعة/ مروان محمد

لم تكن عقارب الساعة تشير إلى الثامنة من صباح الخميس 16 أبريل 2026، حتى استيقظت مدينة القصاصين الجديدة بمحافظة الإسماعيلية على مشهد غير مسبوق، امتزجت فيه ألسنة اللهب بصرخات مكتومة عبر شاشات الهواتف المحمولة. حيث وقف المواطن «رجب الصغير» أمام كشكه البسيط، يسكب مادة قابلة للاشتعال، ثم يشعل النيران في مصدر رزقه الوحيد، في بث مباشر عبر موقع “فيسبوك”، مرددًا عبارة أثارت جدلاً واسعًا: “عشان ترتاح يا معالي المحافظ”.

في لحظات، تحولت الواقعة إلى قضية رأي عام، وانقسمت التعليقات بين متعاطف يرى مأساة إنسانية، وبين مؤيد لتطبيق القانون ورفض الفوضى. لكن خلف المشهد العاطفي، ظهرت تساؤلات أكثر عمقًا: هل كانت الدولة متعسفة؟ هل كان المواطن مظلومًا؟ أم أن المشهد محاولة للضغط العاطفي على الدولة؟ .

وبالرجوع إلى الوقائع كما كشفتها محافظة الإسماعيلية والمستندات الرسمية، تبين أن الكشك مخالف منذ 2014، وهو منشأ من الصاج مثبت بقاعدة خرسانية، ومقام على حرم الري بالمخالفة للقانون.

وقد صدر ضده عدة قرارات إزالة، أبرزها القرار رقم 110 لسنة 2019، والقرار رقم 41 لسنة 2023، وقد تم تنفيذ الإزالة بالفعل في وقت سابق، ما يعني أن المخالفة كانت قائمة منذ سنوات طويلة. وبمعنى أكثر وضوحًا: القضية لم تكن مفاجئة… بل ممتدة قانونيًا منذ أكثر من 10 سنوات.

ويأتي ذلك في إطار حوار خاص مع اللواء أشرف عبد العزيز – الخبير الأمني والاستراتيجي، ورؤية تحليلية للدكتورة إيناس عبد العزيز – خبيرة الأمن الرقمي.

وفي تفاصيل لقاء المحافظ وعرض البديل الإنساني، ففي 8 أبريل 2026، حضر المواطن “رجب الصغير” لقاء خدمة المواطنين مع محافظ الإسماعيلية وطالب باستثنائه من الإزالة، ورغم أن الكشك مخالف، وجّه المحافظ فورًا بتوفير محل بديل رسمي خلف ديوان عام المدينة بإيجار رمزي 300 جنيه فقط، وهي خطوة وصفتها المحافظة بأنها حل إنساني يحافظ على مصدر رزق المواطن، لكن المفاجأة كانت في رفض المواطن لهذا البديل.

أما عن واقعة إشعال النيران قبل الحملة، ففي صباح الخميس 16 أبريل 2026، لم تكن حملة الإزالة قد بدأت، ولم يحدث أي احتكاك مع الأجهزة التنفيذية، كما لم يتم تنفيذ إزالة جديدة، ومع ذلك، أشعل المواطن النيران بنفسه في الكشك، وهنا تحولت القضية من “إزالة كشك” إلى قضية رأي عام حول هيبة الدولة والقانون.

حوار خاص مع اللواء أشرف عبد العزيز – الخبير الأمني والاستراتيجي
ورؤية تحليلية للدكتورة إيناس عبد العزيز – خبيرة الأمن الرقمي

وفي حوار خاص، حلل اللواء أشرف عبد العزيز، الخبير الأمني والاستراتيجي، الواقعة من منظور أمني مؤكداً أن القانون سلطان ولا يعرف لي الذراع، وقال إن القانون ليس رفاهية، بل ضرورة لاستقرار الدولة، وما حدث محاولة واضحة للي ذراع الدولة عبر الضغط العاطفي.

وأضاف أننا أمام كشك مخالف يحتل الطريق العام وحرم المرافق، وهذا ليس مجرد مخالفة بسيطة، بل اعتداء على حق المواطنين، مشيراً إلى أن الدولة لم تكتف بتطبيق القانون فقط، بل قدمت حلًا إنسانيًا واضحًا بتوفير محل بديل بإيجار 300 جنيه، وهذا دليل على أن الدولة لا تهدم مصادر الرزق بل تنظمها.

وأكد أن رفض البديل والتحول إلى بث مباشر درامي يمثل سلوكًا خطيرًا لأنه يشجع آخرين على مخالفة القانون تحت ضغط العاطفة.

ويرى اللواء أشرف عبد العزيز أن هيبة الدولة خط أحمر، وأن التعاطف المفرط قد يخلق سابقة خطيرة، موضحاً أنه إذا نجح الضغط العاطفي في تعطيل القانون، سنجد آلاف المخالفات بنفس الأسلوب. وأضاف أن هيبة الدولة لا تعني القسوة، بل تعني تطبيق القانون بعدل على الجميع، مشيراً إلى أن الحملات الجارية في محافظات القاهرة والجيزة والعريش والمدن الجديدة تهدف لاستعادة الانضباط الحضاري، ومؤكداً في ختام حديثه أنه لا أحد فوق القانون، والتعاطف لا يمنح حصانة للمخالفين.

من جانبها، قدمت الدكتورة إيناس عبد العزيز رؤية تحليلية مختلفة تجمع بين القانون والبعد الاجتماعي، مؤكدة أن الابتزاز العاطفي لا يجب أن يوقف القانون. وقالت إن الدولة طبقت العدالة التصالحية عندما عرضت البديل، لكن المواطن انتقل من حالة الاحتياج إلى حالة المعاندة، مبيناً أن استخدام البث المباشر لتصدير مشهد الانهيار يمثل نوعًا من الابتزاز العاطفي. وأكدت أن المؤسسات لا يجب أن تتأثر بالضغط الشعبي إذا كان القانون واضحًا.

وفي استعراضها لتجارب دولية تؤكد أن القانون أولًا، استشهدت د. إيناس بنموذج سنغافورة حيث لا يسمح ببيع في الشارع دون ترخيص مع إزالة فورية للمخالفات ودعم اجتماعي بعد تنفيذ القانون، تحت قاعدة العقوبة أولًا والدعم ثانيًا.

كما أشارت إلى نموذج كوريا الجنوبية في سول، حيث يتم نقل الأكشاك المخالفة لأماكن منظمة مع مصادرة فورية للمخالفين وغرامات مرتفعة، انطلاقاً من القاعدة الأساسية بأن الرصيف حق عام وليس ملكية خاصة.

وفي نموذج نيويورك بالولايات المتحدة، توجد رقابة صارمة على الأكشاك ومصادرة فورية للمخالف وغرامات قانونية، حيث يعتبر القانون هناك أن احتلال الرصيف سرقة للمنفعة العامة.

وحول ما بعد الحريق والدروس المستفادة، يتضح أولاً أن العاطفة لا تصنع القانون؛ فالتعاطف مفهوم لكن تطبيق القانون ضرورة. ثانياً، البدائل الإنسانية ضرورية وما قدمته المحافظة نموذج إيجابي.

وثالثاً، الفوضى تبدأ من الاستثناء؛ فإذا تم استثناء مخالفة واحدة تتحول المدن إلى فوضى. وفي الخلاصة بين الدولة والعاطفة، لم تكن واقعة “كشك القصاصين” مجرد حادث فردي، بل اختبار حقيقي بين دولة القانون وضغط العاطفة.

ويختتم اللواء أشرف عبد العزيز حديثه بالقول إن القانون لا يرحم المخالفين لكنه لا يظلم أحدًا، والدولة تمنح فرصًا لكنها لا تسمح بالفوضى.

أما الدكتورة إيناس عبد العزيز فتؤكد أن التعاطف إنساني، لكن الاستجابة للضغط العاطفي بداية انهيار النظام. ليبقى السؤال الأهم: هل ننتصر للعاطفة؟ أم ننتصر للقانون؟ الإجابة تحدد شكل الدولة ومستقبل المدن، فواقعة القصاصين انتهت بالحريق، لكن الجدل حول هيبة الدولة وتطبيق القانون بدأ الآن.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!