
بقلم: اللواء أشرف عبد العزيز الخبير الأمني والاستراتيجي
في كل مرة يظهر فيها اسم صبري نخنوخ على سطح الأحداث، تعود معه حالة من الجدل تتجاوز حدود الواقعة ذاتها، لتتحول سريعاً إلى ساحة واسعة للتأويلات السياسية والاستنتاجات المتعجلة.
فبمجرد تداول أخبار القضية الأخيرة، انطلقت أصوات كثيرة تؤكد أن ما جرى يمثل “سقوط رجل كان يتمتع بحماية استثنائية”، بينما ذهب آخرون إلى اعتبار الأمر دليلاً على أن الدولة قررت رفع الغطاء السياسي عنه بعد سنوات من الدعم المزعوم.
غير أن القراءة الهادئة للأحداث تكشف أن هذه التفسيرات، رغم رواجها، تقوم في معظمها على الانطباعات أكثر مما تقوم على الوقائع.
فالسؤال الحقيقي ليس: لماذا تمت مساءلة صبري نخنوخ الآن؟ بل السؤال الأهم هو: هل كان الرجل في الأساس محصناً من المساءلة حتى يقال إن الحماية قد رُفعت عنه؟
وهنا تبدأ القصة من زاوية مختلفة تماماً.
المجتمع وصناعة الأساطير
من الظواهر اللافتة في المجتمعات العربية عموماً أن النجاح الاستثنائي غالباً ما يُقابل بالشك قبل الإعجاب. فكلما تضخمت ثروة شخص أو اتسعت دائرة نفوذه الاقتصادي، سارع البعض إلى البحث عن “مظلة خفية” تفسر هذا النجاح، وكأن التقدم المالي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر أبواب السلطة أو دهاليز السياسة.
هذه الثقافة أنتجت ما يمكن تسميته بـ”أسطورة الرجل المحصّن”، وهي الفكرة التي تفترض أن بعض الأشخاص يمتلكون حصانة غير مكتوبة تجعلهم خارج نطاق القانون أو فوق المساءلة.
لكن التجربة العملية للدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة أثبتت أن هذه الفرضية لم تعد تتوافق مع الواقع. فقد شهد الرأي العام قضايا وتحقيقات وإجراءات قانونية طالت شخصيات من مواقع ومؤسسات مختلفة، بعضها كان يُنظر إليه باعتباره بعيداً تماماً عن دائرة المساءلة، وهو ما يؤكد أن معيار التحرك لم يعد مرتبطاً بالأسماء بقدر ارتباطه بالوقائع والأدلة وما تنتهي إليه جهات التحقيق.
من عالم الجدل إلى عالم الاستثمار
بعيداً عن الصورة النمطية التي يختزل بها البعض شخصية صبري نخنوخ، فإن ما حدث خلال السنوات التي أعقبت خروجه بعفو رئاسي يكشف مساراً مختلفاً.
فالرجل اتجه إلى إعادة بناء حضوره داخل المجال الاقتصادي، ودخل في أنشطة استثمارية وتجارية متنوعة، مستفيداً من خبرات قانونية وإدارية ساعدته على التحول من شخصية ارتبط اسمها بالجدل إلى رجل أعمال يتحرك داخل منظومة اقتصادية قائمة على العقود والاستثمارات والشراكات.
واللافت أن هذه المرحلة امتدت لسنوات دون أن تشهد اتهامات جنائية كبرى أو وقائع مشابهة لما كان يثار حوله في الماضي، وهو ما يعزز فكرة أن الرجل اختار أن يتحرك داخل الإطار الاقتصادي بدلاً من البقاء أسيراً لصورة قديمة رسمها له الرأي العام.
ومن هنا يصبح من الخطأ تفسير كل نجاح اقتصادي على أنه انعكاس لدعم سياسي، لأن الاقتصاد بطبيعته لا يعترف إلا بمنطق المكسب والخسارة.
فالمستثمر الذي لا يحقق قيمة حقيقية للسوق لا يمكن أن يستمر لمجرد تمتعه بعلاقات أو معارف، بينما يظل النجاح المستدام رهناً بالكفاءة والقدرة على إدارة المصالح الاقتصادية.
القضية الحالية: أين يقف القانون؟
في خضم الضجيج الإعلامي والجدل الإلكتروني، تبرز حقيقة قانونية لا يجوز تجاوزها تحت أي ظرف، وهي أن القضية ما زالت في مرحلة التحقيق، وأن الأحكام لا تصدر عبر الشاشات أو منصات التواصل الاجتماعي.
فالدولة القانونية لا تُدار بمنطق الانطباعات، وإنما بمنطق الأدلة.
ومن ثم فإن كل ما يقال اليوم يبقى في إطار الاحتمالات لا الحقائق النهائية.
قد تنتهي التحقيقات إلى ثبوت الاتهامات، وقد تنتهي إلى البراءة، وقد تكشف عن وقائع مختلفة تماماً عما يتم تداوله حالياً. ولذلك فإن القفز إلى النتائج المسبقة لا يخدم العدالة بقدر ما يخدم الإثارة.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع هو أن تتحول مواقع التواصل إلى محاكم موازية، تُصدر الأحكام قبل أن تتحدث النيابة، وتُدين قبل أن يُسمع الدفاع، وتُنفذ العقوبة المعنوية قبل أن يقول القضاء كلمته.
ولهذا جاءت الدساتير الحديثة لتؤكد مبدأ بسيطاً لكنه جوهري: المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي.
الرسالة الأهم: الدولة لا تختبر قوة الأشخاص بل قوة المؤسسات
من منظور أمني واستراتيجي، فإن القضية لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها اختباراً لقوة صبري نخنوخ أو نفوذه، وإنما باعتبارها اختباراً لقدرة مؤسسات الدولة على العمل وفق قواعد ثابتة.
الدول القوية لا تُقاس بقدرتها على ملاحقة الضعفاء، وإنما بقدرتها على تطبيق القانون على الجميع دون تمييز.
وعندما تخضع شخصية معروفة أو ثرية أو ذات حضور واسع لإجراءات قانونية طبيعية، فإن الرسالة لا تكون موجهة إلى الشخص نفسه بقدر ما تكون موجهة إلى المجتمع بأسره: أن معيار الدولة هو القانون، لا الاسم، ولا النفوذ، ولا حجم الثروة.
وهذه هي الفلسفة التي تقوم عليها الدول الحديثة؛ دولة المؤسسات لا دولة الأشخاص، ودولة القواعد لا دولة الاستثناءات.
الكلمة الأخيرة
بعيداً عن الضجيج، وبعيداً عن محاولات صناعة البطولات أو صناعة الشياطين، تبقى الحقيقة الوحيدة الثابتة أن صبري نخنوخ اليوم مواطن يخضع للقانون كما يخضع له غيره، وأن الفصل في قضيته ليس حقاً للرأي العام ولا لوسائل التواصل الاجتماعي، وإنما حق أصيل لجهات التحقيق والقضاء.
قد تختلف الآراء حول الرجل، وقد تتباين المواقف من تاريخه أو تجربته أو مسيرته الاقتصادية، لكن ما لا ينبغي الاختلاف عليه هو أن العدالة لا تُبنى على الانطباعات، ولا تُدار بالعواطف، ولا تُحسم بالشائعات.
فالأشخاص مهما تضخمت أسماؤهم يظلون صفحات في سجل الزمن، أما الدول فتبقى بما ترسخه من قواعد وما تحميه من مبادئ.
وحين تسود دولة القانون بحق، لا يعود السؤال: من هو المتهم؟
بل يصبح السؤال الأهم: هل توافرت الأدلة؟ وهل تحققت العدالة؟
وهنا فقط تتجلى هيبة الدولة الحقيقية، ليس في قوة من تحاسبهم، بل في عدالة المعايير التي تحاسب بها الجميع….





