
متابعة مروان محمد
هزت واقعة مقتل سيدة ستينية على يد أحد أفراد أسرتها في منطقة سيدي بشر بالإسكندرية الرأي العام المصري، وأعادت فتح ملف بالغ الحساسية: كيف تتحول العلاقات الأسرية الحميمة إلى مسرح لجرائم بهذه القسوة؟ ووفقا لتصريحات وزارة الداخلية فإن الواقعة بدأت بخلافات أسرية تطورت إلى مشادة انتهت بوفاة المجني عليها، فيما تبقى كل التفاصيل والدوافع النهائية رهن تحقيقات النيابة العامة ولا يحسمها إلا حكم قضائي بات.
في قراءته لهذه الظاهرة، يوضح اللواء أشرف عبد العزيز، الخبير الأمني والاستراتيجي، أنه لم يكن يتحدث عن حادثة بعينها حين حذر مرارا في لقاءات إعلامية سابقة من تصاعد بعض الجرائم الأسرية وحالات الانتحار، وإنما كان يرصد ظاهرة مجتمعية متنامية نتيجة تغيرات اجتماعية ونفسية متسارعة.
ويشدد على أن كل قضية لها ظروفها الخاصة، ولا يجوز اختزال أسبابها في عامل واحد أو إصدار أحكام قبل اكتمال التحقيقات.
جرائم لا تولد من لحظة غضب

يرى اللواء أشرف عبد العزيز أن الجريمة الأسرية نادرا ما تكون وليدة انفعال عابر، بل هي في الغالب محصلة تراكمات طويلة من الضغط النفسي والاجتماعي تصل في لحظة ما إلى نقطة الانفجار.
وفي تعبيره، فإن من يصل إلى هذه الجريمة لا يبدأ مجرما، لكنه قد يفقد قدرته على التفكير المنطقي إذا اجتمعت عوامل خطورة متعددة دون أن يجد من يتدخل أو يعالج الأزمة في وقتها.
الصدمات النفسية غير المعالجة
يشير اللواء عبد العزيز إلى أن التعرض لصدمات كبرى، كفقدان أحد الأبناء أو الانهيار الأسري المتكرر أو تراكم الأزمات، يترك أثرا نفسيا عميقا قد يتحول إلى هشاشة حقيقية إذا لم يحصل الشخص على دعم أو علاج نفسي مناسب.
ومع ذلك ينبه إلى أن الصدمة وحدها لا تفسر الجريمة، بل هي أحد عوامل الخطورة التي تتفاعل مع ظروف أخرى.
الضغط الاقتصادي وفقدان السيطرة
الأزمات المالية المتراكمة، والشعور بالعجز، والديون، والعزلة الاجتماعية، عوامل يرى فيها اللواء عبد العزيز مؤثرات حقيقية على الصحة النفسية لبعض الأفراد. فحين يشعر الإنسان أنه فقد السيطرة على مسار حياته، تزداد احتمالية اتخاذه قرارات اندفاعية غير عقلانية، خاصة في غياب شبكة دعم أسري أو نفسي حوله.
حين يتحول الخلاف اليومي إلى قنبلة موقوتة
الخلافات الأسرية أمر طبيعي في أي بيت، لكن اللواء عبد العزيز يحذر من أن استمرارها لسنوات دون احتواء، مع غياب الحوار وانعدام وسائل حل النزاع، يحول المنزل تدريجيا إلى بيئة مشحونة بالتوتر قابلة للانفجار في أي لحظة.
السوشيال ميديا كعامل مضاعف لا سبب وحيد
لا يحمّل اللواء عبد العزيز وسائل التواصل الاجتماعي مسؤولية منفردة، لكنه يرى أنها أصبحت عاملا مؤثرا بوضوح في تشكيل الهوية وأنماط التفكير لدى بعض المستخدمين، خصوصا مع التعرض المستمر لمحتوى العنف والمقارنات الاجتماعية والعزلة الرقمية والسعي وراء صورة مثالية للحياة. ويدعو إلى تعزيز الوعي الرقمي بدل الاكتفاء بإلقاء اللوم على التكنولوجيا وحدها.
مؤشرات إنذار لا ينبغي تجاهلها
يحدد اللواء عبد العزيز مجموعة علامات تستدعي الانتباه والتدخل المبكر:
•العزلة المفاجئة والانقطاع عن المحيطين
•نوبات غضب حادة ومتكررة
•التهديد بإيذاء النفس أو الآخرين
•الحديث المستمر عن الانتقام أو اليأس
•اضطرابات ملحوظة في النوم والسلوك
•تغير مفاجئ وغير مبرر في الشخصية
•فقدان القدرة على ضبط الانفعالات
ويؤكد أن ظهور هذه العلامات لا يعني بالضرورة أن صاحبها سيرتكب جريمة، لكنه مؤشر يستوجب تقييما طبيا أو نفسيا عند الحاجة.
المواجهة تبدأ قبل الجريمة لا بعدها
يرى اللواء أشرف عبد العزيز أن الردع القانوني ضرورة لحماية المجتمع، لكنه وحده غير كافٍ للحد من هذا النوع من الجرائم. المواجهة الحقيقية، من وجهة نظره، تبدأ قبل وقوع الجريمة عبر:
•دعم منظومة الصحة النفسية وتوسيع الوصول إليها
•نشر ثقافة الحوار داخل الأسرة كخط دفاع أول
•تفعيل دور المدرسة والإعلام والمؤسسات الدينية في بناء الوعي المجتمعي
•إزالة الوصمة المرتبطة بطلب العلاج النفسي، لأن التدخل المبكر قد يمنع تفاقم الأزمة قبل فوات الأوان
خلاصة
الجرائم الأسرية، مهما بلغت قسوتها، ليست مجرد ملفات جنائية تُغلق بصدور الحكم، بل مؤشر على تحديات نفسية واجتماعية أعمق تستحق الدراسة والوقاية. ويبقى الفصل في أي واقعة حقا أصيلا للنيابة العامة والقضاء وحدهما، مع التزام كامل بقرينة البراءة حتى تثبت الإدانة بحكم بات، دون استباق للنتائج أو جزم بدوافع لم تثبتها الأدلة بعد. والسؤال الذي يطرحه اللواء عبد العزيز يبقى مفتوحا: هل ننتظر وقوع الجريمة لنتحرك، أم آن الأوان لبناء منظومة وقاية نفسية واجتماعية حقيقية تحمي الأسرة المصرية قبل أن يتحول الخلاف إلى مأساة؟
