دكتور ياسر جعفر يكتب: أهمية العشر الأواخر من رمضان

شهر رمضان المبارك من أعظم الشهور، فيه ليلة القدر خير من ألف شهر، وهنا لفظ “خير” ربما تكون خير من آلاف الشهور وربما عدد مالا نهاية، وكل هذا بسبب نزول القرآن الكريم؛ والقرآن الكريم دستور الأمة الإسلامية، وأيضاً الغربية لمن أراد قراءته وتدبره، فينبغي على الأمة الإسلامية التمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وخاطب ملك الملوك الخالق سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89].
تبياناً لكل شيء: أي بياناً لكل ما بالناس إليه الحاجة من أمور الدين، وتفصيلاً للأحكام، ومبادئ الحق والقيم الأخلاقية.
وهدى: إرشاد من الضلالة وتوجيه لطريق الحق والنجاة.
ورحمة: لمن آمن به، وعمل بما فيه من أوامر ونواهٍ، فتكون سعادة له في الدنيا والآخرة.
وبشرى للمسلمين: بشارة لمن أطاع الله وخضع له بالتوحيد، ووعد بجزيل الثواب.
دلالات الآية:
تعتبر الآية مرجعاً أساسياً في إثبات أن القرآن يتضمن القواعد الكلية وأصول التشريع.
تؤكد الآية أن التبيان يشمل هداية الناس لكل ما يضمن سعادتهم وصلاح أمرهم.
أشارت التفاسير إلى أن الآية تعني أيضاً بيان كل ما أحل الله وما حرم.
لقد أنزل الله الكتاب الكريم ليكون حجة واضحة، ومرشداً مبيناً، وسبباً للرحمة والسكينة، وبشارة للمؤمنين؛ عِظم شهر رمضان من عِظم ليلة القدر، وعِظم ليلة القدر من عِظم القرآن وعِظم آياته، فنناشد الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها أن تتمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ليعم الخير والعدل والمساواة في أنحاء الأرض ونكون سادة الأمم، فحين أعرضنا عن كتاب الله استهزأ بنا القاصي والداني. الحمدُ للهِ الَّذي أنزلَ القرآنَ هُدىً ورحمةً للعالمين، وجعلَه نوراً يبدِّد ظلماتِ الجهلِ والضلال، والصلاةُ والسلامُ على سيدنا محمدٍ ﷺ الذي بلَّغ الرسالة وأدَّى الأمانة وتركنا على المحجَّة البيضاء.
إنَّ القرآنَ الكريمَ ليس كتاباً كأيِّ كتاب، بل هو كلامُ اللهِ -عزَّ وجلَّ- الذي أنزله على قلبِ نبيِّه الكريم ﷺ ليكونَ هدايةً للبشرية إلى قيام الساعة. قال الله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9].
فالقرآنُ كتابُ هدايةٍ وإصلاحٍ وبناءٍ للإنسان، يُهذِّبُ الأخلاقَ، ويقيمُ العدلَ، ويغرسُ في النفوسِ معاني الرحمةِ والتقوى. ومن تأمَّل آياته وجد فيها من البلاغةِ والحكمةِ ما يعجزُ عنه أفصحُ البلغاءِ وأعلمُ الحكماء.
ومن عظمةِ القرآن أنَّ اللهَ تعالى تحدَّى به الإنسَ والجنَّ أن يأتوا بمثلِه أو بسورةٍ من مثلِه فعجزوا، قال تعالى: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} [الإسراء: 88].
ومن عظمةِ آياتِه أنَّها تُحيي القلوبَ الميتة، وتُطمئنُّ النفوسَ القلقة، وتفتحُ للإنسان أبوابَ الرجاءِ والأمل، يقول سبحانه: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28].
والقرآنُ كذلك كتابُ تشريعٍ كاملٍ ينظِّم حياةَ الإنسان في عبادته وأخلاقه ومعاملاته، ويقيمُ المجتمعَ على أساس العدلِ والرحمة؛ فمن تمسَّك به سعد في الدنيا وفاز في الآخرة، ومن أعرض عنه عاش في ضيقٍ وحيرة.
ومن عظمة القرآن أنَّ تلاوتَه عبادة، والاستماعَ إليه رحمة، والعملَ به نجاة. قال النبي ﷺ: “خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ”.
فالواجبُ علينا أن نجعلَ القرآنَ ربيعَ قلوبِنا، وأن نُكثرَ من تلاوتِه وتدبُّرِ آياتِه والعملِ بما فيه؛ فإنَّ القرآنَ لم يُنزَل لمجرَّد القراءة فحسب، بل ليكون منهجَ حياةٍ يهدي الناس إلى الصراط المستقيم. وفي زمنٍ كثرت فيه الفتنُ والاضطرابات، يبقى القرآنُ هو الحبلَ المتين الذي يربطُ الإنسانَ بربِّه، والنور الذي يُضيءُ طريقَه، والشفاء لما في الصدور.
فلنُقبل على كتابِ الله بقلوبٍ صادقة، ولنجعل آياته دستورَ حياتنا؛ حتى نكونَ من أهلِ القرآن الذين هم أهلُ الله وخاصَّته. نسألُ الله أن يجعل القرآنَ العظيمَ ربيعَ قلوبنا، ونورَ صدورنا، وجلاءَ أحزاننا، وأن يرزقنا تلاوتَه آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيه.
فالعشر الأواخر عظمتُهم بسبب نزول القرآن الكريم؛ دستور الأمة الذي هجرته الأمة الإسلامية! ففي الحديث الذي روته عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها-: (كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وأَحْيَا لَيْلَهُ، وأَيْقَظَ أهْلَهُ) [صحيح البخاري].
العشرُ الأواخرُ من رمضان هي خيرُ ليالي السنة؛ فيها ليلة القدر، وهي خيرٌ من ألف شهر، كما أخبر الله -عزَّ وجلَّ- في مُنزَلِ كتابه؛ ولذلك كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يجتهدُ جداً في عبادة ربه -سبحانه- في هذه الليالي، ويحثُّ أهله على ذلك. وفي هذا الحديث تُبيِّن عائشة -رضي الله عنها- حالَ النبي صلى الله عليه وسلم في هذه العشر من اجتهاده في العبادة وحثِّ أهله عليها، فتقول: “كان إذا دخلت العشر الأواخر من رمضان” -ويكون بداية تلك العشر من ليلة الحادي والعشرين- “شدَّ مئزره”، وهو ما يُلبس من الثياب أسفل البدن، أو يحتمل أن تريد به الجِدَّ في العبادة؛ فإنه يقال: شددت في هذا الأمر مئزري، بمعنى: تشمَّرت له وتفرَّغت، “وأحيا ليله” بالستر للعبادة، “وأيقظ أهله” ليُصلُّوا من الليل، وهذا من تشجيع الرجل أهله على أداء النوافل والعبادات، وتحصيل خير تلك الأيام.
وفي الحديث: أنَّ اغتنام أوقات الفضل يحتاج إلى عزمٍ وصبرٍ ومجاهدةٍ للنفس.



