كتاب الله وسنتي

بقلم: د. ياسر جعفر

“دستور الحياة ومنهجها هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه: «إنِّي قد خلَّفْتُ فيكم شيئَيْنِ لن تَضِلُّوا بعدَهما أبدًا ما أخَذْتُم بهما، أو عمِلْتُم بهما: كتابَ اللهِ، وسُنَّتي، ولن يتفرَّقَا حتَّى يَرِدَا علَيَّ الحوضَ».
نحن في زمن الفتن، وزمن كثر فيه المرتزقة أعداء الدين الذين يشوشون على الدين، ويشككون في السنة والعقيدة؛ فمنهم من يقول: “ما فيه إلا صلاتان: صلاة الفجر والعشاء”، ومنهم من يسب الصحابة، ومنهم من يطعن في البخاري، ومنهم من يشكك في الصيام، ومنهم من يشكك في ليلة القدر والتراويح! حسبنا الله ونعم الوكيل في هؤلاء المرتزقة المأجورين من قِبَل أعداء الإسلام.
ولذلك، ينبغي في هذا الزمن التمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فطاعة الرسول من طاعة الله، قال تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: 80]. يخبر تعالى عن عبده ورسوله محمد ﷺ بأن من أطاعه فقد أطاع الله ومن عصاه فقد عصى الله؛ وما ذاك إلا لأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
وفي رواية أخرى عن أبي هريرة رضي الله عنه: «مَن أطَاعَنِي فقَدْ أطَاعَ اللَّهَ، ومَن عَصَانِي فقَدْ عَصَى اللَّهَ، ومَن يُطِعِ الأمِيرَ فقَدْ أطَاعَنِي، ومَن يَعْصِ الأمِيرَ فقَدْ عَصَانِي، وإنَّما الإمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِن ورَائِهِ ويُتَّقَى به، فإنْ أمَرَ بتَقْوَى اللَّهِ وعَدَلَ، فإنَّ له بذلكَ أجْرًا، وإنْ قالَ بغَيْرِهِ فإنَّ عليه منه» [صحيح البخاري].
وفي هذا الحديث يوضح النبي ﷺ أن طاعته -بفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه- هي من طاعة الله تعالى، وكذلك معصيته هي عصيان لله تعالى؛ لأن النبي ﷺ مُبلّغ عن ربه سبحانه. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَاكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].
فالفوز يوم القيامة لمن أطاع الله ورسوله؛ وفي الحديث: «مَن يُطعِ اللهَ ورَسولَه فقد رَشَد، ومَن يَعصِ اللهَ ورَسولَه فإنَّه لا يَضُرُّ إلَّا نَفْسَه». كتاب الله وسنة نبيه هما الأصلان اللذان لا عدول عنهما، ولا هدي إلا منهما، والعصمة والنجاة لمن تمسك بهما واعتصم بحبلهما.”
“وفي هذا الحديثِ يقولُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «إنِّي قد خلَّفْتُ فيكم شَيئينِ»، أي: تَركْتُ لكم بعدَ وفاتي ومماتي أمرينِ، «لنْ تَضِلُّوا بعدَهما أبدًا ما أخذْتُم بهما -أو عَمِلْتُم بهما-»؛ أي: هما سببٌ في الفوزِ في الآخرةِ إذا أخذَ بهما العبدُ في الدنيا، «كِتابَ اللهِ، وسُنَّتي»؛ أي: بالاستمساكِ والعملِ بالقرآنِ والسنةِ معاً.
وذلك لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7]. والمرادُ بسُنَّتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أقوالُه وأفعالُه وتقريراتُه. «ولنْ يَتفرَّقَا»؛ أي: هما محفوظانِ باقيةٌ حُجَّتُهما على الأمةِ، «حتَّى يَرِدَا عليَّ الحَوضَ»؛ أي: يَمُرَّا عليَّ وأنا على الحوضِ، والحوضُ هو نهرُ الكوثرِ الذي أعطاهُ اللهُ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الآخرةِ، الذي يَسقي منه الواردينَ عليه من المؤمنينَ.
وفي الحديثِ: بيانُ أنَّ منزلةَ السنةِ النبويةِ كمنزلةِ القرآنِ، وفيه: إثباتُ وجودِ الحوضِ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الآخرةِ.
(وجوب التمسك بالكتاب والسنة)
قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].
وقال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: 43].
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: 18].
وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 3].”
5- وعن العِرْباضِ بن سارية رضي الله عنه قال: صَلَّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال قائل: “يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟” فقال: ((أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ)).
6- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاَثًا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلاَثًا؛ فَيَرْضَى لَكُمْ: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا. وَيَكْرَهُ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ)).
وفي الحديث الذي رواه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:
((إنَّ الشيطانَ قد يَئِسَ أن يُعبَدَ بأرضِكم، ولكن رضيَ أن يُطاعَ فيما سِوى ذلك مما تُحاقِرون من أعمالِكم، فاحْذَروا؛ إني قد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتُم به فلن تَضِلُّوا أبدًا: كتابَ اللهِ، وسُنَّةَ نبيِّه)) [صحيح الترغيب].
إن القرآن الكريم والسنة النبوية هما حبل الله المتين؛ فمن حفظهما وعمل بما فيهما بنية صادقة وقلب متيقن، فإن له الجزاء الأوفى عند الله سبحانه وتعالى.
“وفي هذا الحديثِ يقولُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «إنَّ الشيطانَ قد يَئِسَ أنْ يُعْبَدَ»، أي: أصابَه اليأْسُ بعدَ انتشارِ الإسلامِ، «بأرْضِكم» وهي جزيرةُ العربِ، «ولكنْ رضِيَ أنْ يُطاعَ فيما سِوَى ذلك»؛ أي: رضِيَ بأنْ يَتَّبِعَه الناسُ فيما هو أقلُّ من الشركِ باللهِ، وهو «مما تُحاقِرون من أعمالِكم» من صغائرِ الذنوبِ والمعاصي، وهي اللَّمَمُ.
«فاحْذَروا»؛ والمعنى: احذروا من طاعةِ الشيطانِ والوقوعِ في الصغائرِ؛ لأنَّها لا تزالُ بالعبدِ حتى تُهْلِكَه وهو لا يدري. «إني قد ترَكْتُ فيكم»، أي: تركتُ لكم بعدَ موتي فيما بينكم، «ما إنِ اعتَصَمْتم به»؛ أي: تمسكتم به وأخذتم بالعملِ بما فيه، «فلنْ تَضِلُّوا أبدًا»؛ أي: فلنْ تكونوا في ضلالٍ وزيغٍ عن الحقِّ.
«كِتابَ اللهِ»: وهو القرآنُ الكريمُ، أعظمُ وأفضلُ ما يُقتدى به؛ لأنه كلامُ اللهِ سُبحانه وتعالى، ولأنه يهديهم إلى الطريقِ المستقيمِ. «وسُنَّةَ نَبِيِّه»: وهي كلُّ ما وردَ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ من أقوالٍ، أو أفعالٍ، أو تقريراتٍ؛ وفي السنةِ بيانٌ وتفصيلٌ لِمَا في القرآنِ الكريمِ. والكتابُ والسنةُ هما أصلُ الدينِ، وفيهما النجاةُ لمن تمسك بهما.
وفي الحديثِ فوائدُ جليلة:
التخويفُ والتحذيرُ من وسواسِ الشيطانِ ومحقراتِ الذنوبِ.
الحثُّ على التمسكِ بالكتابِ والسنةِ كونهما سبيلَ النجاةِ الوحيد.”
وفي رواية أبي سعيد الخدري وزيد بن أرقم رضي الله عنهم:
«إنِّي تارِكٌ فيكُم ما إن تمسَّكتُمْ بِهِ لن تضلُّوا بَعدي، أحدُهُما أعظَمُ منَ الآخرِ: كِتابُ اللَّهِ حَبلٌ ممدودٌ منَ السَّماءِ إلى الأرضِ، وعِتْرَتي أَهْلُ بيتي، ولَن يتفرَّقا حتَّى يَرِدا عليَّ الحوضَ؛ فانظُروا كيفَ تخلُفوني فيهِما» [رواه الترمذي وصححه الألباني].




