دين

دكتور ياسر جعفر يكتب: التوحيد والاستقامة سر السعادة في الدارين

 

التوحيد والاستقامة هما السعادة الحقيقية في الدارين، وهذه منح من الله -سبحانه وتعالى- للأمة الإسلامية؛ جنات من السعادة والسرور وراحة البال في التوحيد والاستقامة. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: 30 – 32].
هل رأيت سعادة بعد ذلك في الذين قالوا ربنا الله؟ أي: لا تتخذ مع الله شريكاً، وأن الله هو الضار والنافع، ثم الاستقامة على طريق كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وتستمر على الاستقامة؛ فطريق الاستقامة ليس فيه اعوجاج. ففي هذه الحالة تتنزل الملائكة بالاطمئنان: “لا تخافوا ولا تحزنوا”، وليس هذا فحسب، بل: “وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون”؛ منح من الله لعباده المؤمنين.
فنسأل الله لنا ولك ولجميع المسلمين الاستقامة على طاعته، والثبات على دينه؛ فالاستقامة على طاعة الله والثبات عليها يجب أن يكونا هاجس كل مؤمن بلقاء الله تعالى؛ لأنهما السبيل الوحيد للسعادة في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: 13].
﴿أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: 14].
وفي الحديث الذي رواه سفيان بن عبد الله الثقفي: «قلتُ يا رسولَ اللَّهِ حدِّثْني بأمرٍ أعتصِمُ بِهِ، قالَ: قُلْ ربِّيَ اللَّهُ، ثمَّ استقِمْ. قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، ما أخوَفُ ما تخافُ عليَّ؟ فأخذَ بلسانِ نفسِهِ ثمَّ قالَ: هذا» [صحيح الترمذي].
كان الصَّحابةُ -رضِيَ اللهُ عَنهم- كثيرًا ما يَسأَلون النَّبيَّ ﷺ عن سُبلِ النَّجاةِ في الدُّنيا والآخرةِ، وكان ﷺ يُجيبُهم ويَدُلُّهم على طرُقِ النَّجاةِ وأسبابِ الفَلاحِ، وفي إرشادِهم تَوجيهٌ للأمَّةِ كلِّها.
وفي هذا الحديثِ: يقولُ سُفيانُ بنُ عبدِ اللهِ الثَّقفيُّ -رضِيَ اللهُ عنه-: “قلتُ: يا رسولَ اللهِ، حدِّثْني بأمرٍ أعتَصِمُ به”، أي: عمَلٍ أو قولٍ أتمسَّكُ به وفيه النَّجاةُ والفلاحُ، “قال”، أي: قال النَّبيُّ ﷺ لِسُفيانَ: “قُل: ربِّي اللهُ”، أي: عليك بتَوحيدِ اللهِ وعبادتِه، “ثمَّ استَقِمْ”، أي: كُنْ على الطَّريقِ المستقيمِ، ولا تَحِدْ عنه، واستَقِمْ في الأقوالِ والأعمالِ والأحوالِ، وذلك مثلُ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾؛ فمَن آمنَ باللهِ ثمَّ استَقام كان جَزاؤُه: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: 30- 32].
ثمَّ قال سفيانُ للنَّبيِّ ﷺ: “يا رسولَ اللهِ، ما أخوَفُ ما تَخافُ علَيَّ؟”، أي: ما أشَدُّ شيءٍ تَخافُه علَيَّ أن يُهلِكَني ويُضيِّعَني؟ “فأخَذ بلِسانِ نَفْسِه”، أي: فأمسَك النَّبيُّ ﷺ بلِسانِ نفسه وأشار إليه، “ثمَّ قال: هذا”، أي: ثمَّ قال النَّبيُّ ﷺ لسُفيانَ: هذا اللِّسانُ هو أكثرُ شيءٍ أخافُ عليك منه؛ فاللِّسانُ ربَّما كان نجاةَ الإنسانِ أو كان هَلاكَه؛ لأنَّه المعبِّرُ عن مَكنونِ القلبِ، وبه يَظهَرُ الخيرُ أو الشَّرُّ، وكلُّ ما خرَج مِنه فالمرءُ مُحاسَبٌ عليه، فكان إمساكُه وعدَمُ كثرةِ الكلامِ فيما لا فائدةَ مِنه خيرًا للمُسلِمِ، إلَّا أن يقولَ ذِكرًا للهِ، أو خيرًا مِن أمرٍ بمعروفٍ أو نهيٍ عن منكَرٍ أو إصلاحٍ بين النَّاسِ؛ فهذا ممَّا يُثابُ عليه.
وفي الحديثِ: بيانُ أنَّ النَّجاة في الاعتصامِ باللهِ والاستقامةِ على طَريقِه.
وفيه: التَّحذيرُ مِن خُطورةِ اللِّسانِ، والحثُّ على توَقِّي الكلامِ إلَّا فيما يُفيدُ.
وفي رواية سفيان بن عبد الله الثقفي: «قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، قُلْ لي في الإسْلامِ قَوْلًا لا أسْأَلُ عنْه أحَدًا بَعْدَكَ -وفي حَديثِ أبِي أُسامَةَ غَيْرَكَ- قالَ: قُلْ: آمَنْتُ باللَّهِ، فَاسْتَقِمْ» [صحيح مسلم].
وفي رواية أخرى لسفيان بن عبد الله الثقفي: «قلتُ يا رسولَ اللَّهِ حدِّثْني بأمرٍ أعتصِمُ بِهِ، قالَ: قُلْ ربِّيَ اللَّهُ، ثمَّ استقِمْ. قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، ما أخوَفُ ما تخافُ عليَّ؟ فأخذَ بلسانِ نفسِهِ ثمَّ قالَ: هذا» [صحيح الترمذي].
والسبيل إلى الاستقامة والثبات على الدين هو الاستعانة بالله تعالى، والالتجاء إليه سبحانه، والعمل بمقتضى كتابه، واتباع هدي رسوله ﷺ، ومصاحبة أهل الخير الذين يدلون على طاعة الله تعالى ويرغبون فيها، ويحذرون من طاعة الهوى وإغواء الشيطان.
مع البعد عن قرناء السوء المنحرفين عن سبيل الهدى المتبعين للهوى، فإنه قد قيل سابقاً:
عن المرء لا تسأل وسلْ عن قرينه … فكل قرين بالمقارن يقتدي
وقال النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق: «إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة» [متفق عليه].
فهل بعد هذه المنح الربانية سنضيع وقتاً في الفاضي، في أمور اللهو واتباع الهوى؟! …
زر الذهاب إلى الأعلى