دين

دكتور ياسر جعفر يكتب: شهر رمضان والتجمع على الطعام

هذا كلام رسول الإنسانية -صلى الله عليه وسلم- يبين للأمة أن الأكل جماعة أفضل من الفرد، ونحن في شهر الصيام، شهر رمضان، يستحب فيه التجمع على الطعام؛ ففي الجماعة على الطعام بركة. وللأسف الشديد، بدل ما نتجمع في هذا الشهر على الطعام، طلع (موضة جديدة) أن الكل يأكل بره في المطاعم، لما الأغلبية عندها جرثومة المعدة وأمراض مناعية خطيرة، وقلة البركة في البيوت.

شهر في السنة، لماذا لا تتجمع الأسرة على مائدة الطعام والطبخ يكون من صنع أيديهم؟ ويكون في تجمع للأهل والأقارب كل أسبوع في هذا الشهر الكريم، ونرجع صلة الرحم ونقول: “للزمان ارجع يا زمان”. ولكن شباب كل أكله بره لما دمروا الصحة بالبكتيريا والأمراض المناعية الخطيرة.

ففي الحديث الذي رواه عمر بن الخطاب: (كلوا جميعًا ولا تفرَّقوا، فإِنَّ طعامَ الواحدِ يكفِي الاثنينِ، وطعامُ الاثنينِ يكفي الثلاثةَ والأربعةَ، كلوا جميعًا ولا تفرَّقوا، فإِنَّ البركَةَ في الجماعةِ). “صحيح الجامع”.

وفي رواية جابر بن عبد الله: (طَعامُ الرَّجُلِ يَكْفِي رَجُلَيْنِ، وطَعامُ رَجُلَيْنِ يَكْفِي أرْبَعَةً، وطَعامُ أرْبَعَةٍ يَكْفِي ثَمانِيَةً) “صحيح مسلم”.

نحن محتاجين نرجع للتراث، التجمع الأسري، والتمسك بصلة الأرحام لتعم البركة والخير والبركات؛ كان النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- يُربِّي النَّاسَ على الأُلفةِ، والمَحبَّةِ، والإيثارِ فيما بيْنهم، سواءٌ كان الإيثارُ بالنَّفسِ، أو بتَقاسمِ المالِ، أو الطَّعامِ، والشَّرابِ.

وفي هذا الحديثِ يقولُ النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: «طَعامُ الرَّجُلِ» الواحدِ «يَكْفِي رَجُلَيْنِ، وطَعامُ رجُلَينِ يَكْفي أرْبَعةً، وطَعامُ أرْبَعةٍ يَكْفِي ثَمانِيةً»، والمرادُ بذلكَ التَّغذِّي ورَدُّ عَضَّةِ الجُوعِ، وليْس المقصودُ الشِّبَعَ، أي: طَعامُ الواحدِ يُغذِّي الاثنينِ؛ إذ فائدةُ الطَّعامِ إنَّما هي التَّغذِّي وحِفظُ القوَّةِ. وهذا إرشادٌ وتَوجيهٌ مِن النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- إلى الاجتِماعِ على الطَّعامِ؛ لِمَا فيه مِن بَرَكةٍ عَظيمةٍ تَجعَلُ مِنَ القليلِ كَثيرًا، فَينمُو الطَّعامُ ويَزدادُ حِسًّا ومعنًى، وتَتضاعفُ قُواهُ الغذائِيَّةُ، ويَكفي القليلُ منه الكثيرَ.

وفي حَديثِ أبي هُرَيرةَ -رَضيَ اللهُ عنه- في الصَّحيحينِ: «طَعامُ الاثنينِ كافِي الثَّلاثةِ»؛ ويُجمَعُ بيْنهما أنَّ الكِفايةَ تَتفاوَتُ، ويُمكِنُ القولُ: إنَّ المقصودُ ليْس الحصرَ في مِقدارِ الكفايةِ، وإنَّما المرادُ المواساةُ، وأنَّه يَنْبغي للاثنينِ إدخالُ ثالثٍ لِطعامِهما، وإدخالُ رابعٍ أيضًا بحسَبِ مَن يَحضُرُ.

وفي الحديثِ: الحثُّ على المواساةِ في الطَّعامِ، وأنَّه وإنْ كان قَليلًا حَصَلتْ منه الكفايةُ المقصودةُ، ووقَعَتْ فيه بركَةٌ تَعمُّ الحاضرِينَ. وفيه: أنَّ البَرَكةَ في الأكْلِ مع الجَماعةِ.

وفي رواية وحشي بن حرب: (يا رسولَ اللَّهِ إنَّا نأكلُ ولا نَشبعُ قالَ: فلعلَّكُم تأكُلونَ متفرِّقينَ؟ قالوا: نعَم، قالَ: فاجتَمعوا على طعامِكُم، واذكُروا اسمَ اللَّهِ علَيهِ، يبارَكْ لَكُم فيهِ) “صحيح ابن ماجه”.

كان النَّبيُّ -صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم- يُربِّي أصحابَه على التَّحابُبِ، والتَّآلُفِ، والاجتماعِ، وحِفْظِ النِّعَمِ، وطلَبِ البرَكةِ في المعيشةِ بالْتِماسِ أسبابِها. وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ وَحْشيُّ بنُ حربٍ -رَضِي اللهُ عنه- أنَّ أصحابَ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم- قالوا: “يا رسولَ اللهِ، إنَّا نأكُلُ”، أي: نَأكُلُ كثيرًا، أو نَشْكو قِلَّةَ الطَّعامِ، “ولا نَشبَعُ”، أي: ولا يتَحقَّقُ لنا الشِّبَعُ. فقال لهم النَّبيُّ -صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم-: “فلَعلَّكم تأكُلون مُتفرِّقين؟”، أي: تتَفرَّقون عندَ الأكلِ بأنَّ كلَّ واحدٍ مِن أهلِ البيتِ يَأكُلُ وحْدَه، وفيه أنَّهم يُجزِّئون الطَّعامَ على بَعضِهم، “قالوا: نعَم، قال: فاجتَمِعوا على طعامِكم”، أي: وكُلوه جَميعًا غيرَ مُتفرِّقين، “واذكُروا اسْمَ اللهِ عليه، يُبارَكْ لكُم فيه”؛ وبذِكْرِ اسْمِ اللهِ على الطَّعامِ فيه طلَبٌ لِمَزيدٍ مِن البرَكةِ الَّتي تُؤدِّي إلى الشِّبَعِ والرِّضا.

وأمَّا قولُه تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا} [النور: 61]، فمَحْمولٌ على الرُّخصَةِ أو دَفْعًا للحرَجِ على الشَّخصِ إذا كان وحْدَه. وفي الحديثِ: الحثُّ على الْتِماسِ أسبابِ البرَكةِ في الطَّعامِ، ومنها الاجتِماعُ عليه. وفيه: تربيةُ النَّبيُّ -صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم- لأصحابِه وأمَّتِه على التَّآلُفِ، والمَحبَّةِ، والاجتِماعِ، وعدَمِ التَّفرُّقِ.

زر الذهاب إلى الأعلى