أخبار

اللواء اشرف عبد العزيز يكتب: لقد دقت ساعة الحقيقة.. فإما أن نكون شركاء في رسم خريطة المستقبل أو ضحايا لخرائط يرسمها الآخرون بدمائنا

لماذا 2026 ليس عاماً عادياً؟
في علم الاستراتيجية لا توجد مصادفات، بل توجد مقدمات تقود بالضرورة إلى نتائج. وما يشهده العالم اليوم ليس مجرد اضطرابات عابرة، بل هو إعادة هيكلة شاملة للنظام الدولي تجري بوتيرة متسارعة لم تشهدها البشرية منذ نهاية الحرب الباردة.

عام 2026 هو ما أسميه “عام الفلترة الجيوسياسية” — العام الذي ستنجو فيه الدول والكيانات التي تمتلك رؤية استراتيجية واضحة وتحالفات راسخة، وستتفكك فيه الكيانات الهشة التي تكتفي برد الفعل وتفتقر إلى الإرادة الوطنية الجامعة.

المعادلة بسيطة: إما أن تكون فاعلاً في رسم المشهد، أو تكون وقوداً لمشاهد يرسمها غيرك.

الردع التقليدي مات — فماذا جاء بعده؟

لعقود طويلة، اعتمد الأمن الإقليمي على معادلة الردع التقليدية: “الحرب الشاملة مستحيلة لأن تكاليفها تفوق مكاسبها”. هذه المعادلة لم تعد صالحة.

ما يُتداول اليوم في الغرف الاستراتيجية المغلقة لم يعد يدور حول “حروب شاملة”، بل حول ما يُعرف بـ**“الضربات النووية التكتيكية المحدودة”** — أي ضربات جراحية محسوبة تهدف إلى تغيير موازين القوى أو إعادة رسم الحدود خلال ساعات، دون أن تستدعي رداً دولياً شاملاً.

ماذا يعني هذا عملياً؟

يعني أن الحماية الدولية التقليدية أصبحت وهماً. العالم الذي صمت لسنوات أمام صراعات ممتدة وأزمات إنسانية مزمنة، لن يتحرك أمام ضربة حسابية سريعة تُقدَّم على أنها “ضرورة أمنية”.

أمام هذا الواقع، يصبح بناء “مظلة ردع غير تقليدية” عبر تحالفات استراتيجية عميقة مع قوى نووية وازنة — ليس خياراً سياسياً يحتمل التأجيل، بل ضرورة أمنية وجودية لا تقبل المزايدة.

ثالثاً: الرصاصة الرقمية — السلاح الذي لا تراه

الحرب القادمة لن تبدأ بدبابة تعبر الحدود. ستبدأ بـ**“الحرب الهجينة”** (Hybrid Warfare) — وهي خليط مُدمّر من الهجمات السيبرانية والحرب النفسية والفوضى المعلوماتية، مصمَّم لإنهاك الدول من الداخل قبل أن تُطلق طلقة رصاص واحدة.

ما الذي يستهدفه هذا النوع من الحروب تحديداً؟

استهداف عصب الدولة لا مبانيها: الأمر لا يتعلق باختراق موقع إلكتروني أو سرقة بيانات، بل بالقدرة على إظلام مدن بأكملها، وتعطيل شبكات المياه والكهرباء، وشلل حركة الملاحة في قناة السويس بضغطة زر من خلف آلاف الأميال.

تفكيك الثقة بين الشعب وقيادته:الذكاء الاصطناعي اليوم قادر على إنتاج محتوى مُضلِّل بكميات هائلة وسرعة فائقة، مصمَّم تحديداً لزرع الشك وتغذية الانقسام وضرب الثقة بين المواطن وجيشه ودولته. الهدف النهائي: خلق بيئة داخلية هشة تنهار فيها الدولة دون الحاجة إلى حرب مفتوحة.

الخلاصة الأمنية: تأمين الفضاء السيبراني لمصر والسعودية وتركيا بات يوازي في أولويته تأمين الحدود البرية تماماً — بل ربما يتقدم عليه. العدو القادم لا يرتدي بزة عسكرية، بل يختبئ خلف خوارزميات صُمِّمت لتفكيك الكيانات الوطنية.

رابعاً: مخطط خنق الشرايين — من يسيطر على المضائق يسيطر على العالم

ثمة مخطط ممنهج ومتصاعد يستهدف السيطرة على ما أسميه “المثلث الملاحي الحيوي”: قناة السويس، ومضيق باب المندب، ومضيق هرمز — وهو المثلث الذي تمر عبره نحو 40% من تجارة العالم.

المنطق خلف هذا المخطط بسيط وخطير في آنٍ واحد: من يمسك بهذه الشرايين يمتلك بيده مفتاح الاقتصاد العالمي. وهو ما يُفسِّر الاهتمام الدولي المتصاعد بزرع توترات محسوبة في محيط هذه المضائق، واستنزاف القوى الإقليمية الكبرى في صراعات حدودية “مُدارة” تمنعها من التوحد في مواجهة هذا المخطط.

المواجهة هنا لا تكون بالرد المتفرق، بل بالتحالف المتكامل الذي يجعل تكلفة أي مساس بهذه الشرايين أعلى بكثير من أي مكسب متوقع.

خامساً: المثلث الاستراتيجي — الخيار الوحيد أمام الانهيار

بقراءة موضوعية لموازين القوى الإقليمية، يتبيّن أن ثمة “مثلثاً استراتيجياً” يمثل، إن تشكَّل، حجر الزاوية في منظومة الأمن الإقليمي: مصر — بثقلها العسكري وعمقها الجغرافي وثقلها الحضاري التاريخي.
المملكة العربية السعودية — بمركزها المالي والاقتصادي ومكانتها الروحية الجامعة في العالم الإسلامي.

تركيا — بقدرتها التصنيعية العسكرية المتنامية وعضويتها في منظومة الناتو.

هذا الثلاثي، إن توحّد حول رؤية أمنية مشتركة، يملك من عناصر القوة ما يجعله شريكاً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة دولية — لا هامشاً يُدار من الخارج.

الخلافات البينية رفاهية لا تحتملها المرحلة.

زر الذهاب إلى الأعلى