دين

دكتور ياسر جعفر يكتب: ذل العرب بما قدمت أيديهم لأعداء الله

الذل والانكسار شيء مهين، خاصة من “شوية” مرتزقة وبلطجية الصهيونية الأمريكية واليهودية الإسرائيلية؛ العرب قدمت لهم الإصبع، فنهشوا الذراع بأكمله. والشرق الأوسط الذي يعيشه من ذل من هؤلاء المرتزقة شيء مهين، وكل هذا بسبب ضعف الأمة التي أعطت لهؤلاء زيادة عن حجمهم. هؤلاء الله لعنهم ومطرودون من رحمة الله، العرب عملوا لهم ألف حساب، استخفوا بالعرب وأخذوا منهم خيراتهم ومقدراتهم بنظام البلطجة وأسلوب وسلاح الخيانة الأول “اللي” عايشين عليه، ومقولتهم الشهيرة: (فرق تسد).

وأخذوا من العرب علماءهم وأبحاثهم ليصنعوا منها أسلحة فتاكة ضد الأمة الإسلامية؛ هؤلاء ليس عندهم ولاء إلا للشيطان، تنتظر إيه من قوم يعبدون الشيطان ويعقدون مؤتمرات مع إبليس؟! لماذا نذل أنفسنا لهؤلاء المرتزقة؟ .

الذُّلُّ: نقيضُ العِزِّ، وأصلُ هذه المادَّةِ يدُلُّ على الخضوعِ والاستكانةِ واللِّينِ؛ يُقالُ: ذَلَّ يَذِلُّ ذُلًّا وذِلَّةً وذَلالةً ومَذَلَّةً: إذا ضَعُف وهان، فهو ذليلٌ بَيِّنُ الذُّلِّ والمذَلَّةِ، من قومٍ أذِلَّاءَ وأذِلَّةٍ وذِلالٍ. والذُّلُّ: الخِسَّةُ. وتذلَّل له: أي خضَع. نحن أمة أعزنا الله بالإسلام، قال عمر -رضي الله عنه-: “نحن قوم أعزَّنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزَّة في غيره أذلَّنا الله”، وهذا هو الحاصل.

هؤلاء امتلأت قلوبهم بالحقد والسواد الأعظم من ناحية المسلمين، ويحتقرون العبادات لنا؛ ولذلك لا يضربون ويقتلون إلا في شهر رمضان، كما حدث لفلسطين الشقيقة، وما نعيشه الآن من ضرب لبنان وإيران والعراق، واشتعال الفتن ووقوع النزاع بين المسلمين؛ وكل هذا بسبب ما قدمته أيدينا لهؤلاء الخونة والمرتزقة. إهانة العرب في شهر رمضان استهزاء بهم من “شوية” سفلة جبناء، والله الذي لا إله إلا هو أجبن خلق على الأرض مهما كان معاهم من أسلحة؛ يعمل إيه السلاح في إيد جبان؟ .

وكما شاهدتم “اتضربت” قواعدهم في الخليج، إيه اللي عملوه؟ امتلأت قلوبهم بالخوف والصراخ. لا عندهم حرمة للمقدسات الإسلامية، وتعمدوا إذلال العرب في شهر رمضان المبارك. الله سبحانه وتعالى أذلهم، ونحن الأمة الإسلامية امتدت الأيدي لهم بالغالي والنفيس، وهم قاموا بالمقابل بالإهانة والذل والانكسار. قال تعالى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [البقرة: 61].

قال ابنُ كثيرٍ: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) أي: وُضِعت عليهم وأُلزموا بها شرعًا وقدَرًا، أي: لا يزالون مستذَلِّين، من وَجَدهم استذَلَّهم وأهانهم، وضُرِب عليهم الصَّغارُ، وهم مع ذلك في أنفُسِهم أذِلَّاءُ مُتمسكِنون.. وقال الضَّحَّاكُ: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ) قال: الذُّلُّ… وقال الحَسَنُ: أذلَّهم اللَّهُ فلا منعةَ لهم، وجعَلَهم اللَّهُ تحتَ أقدامِ المسلِمين، ولقد أدركَتْهم هذه الأمَّةُ، وإنَّ المجوسَ لتجبيهم الجِزيةَ.

وقال تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران: 26].

قال الشَّوكانيُّ: (قولُه: وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ أي: في الدُّنيا، أو في الآخرةِ، أو فيهما).

وقال أبو حيَّانَ الأندَلسيُّ: (وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ) قيل: محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابُه، حين دخلوا مكَّةَ في اثني عشَرَ ألفًا ظاهرين عليها، وأذَلَّ أبا جهلٍ وصناديدَ قُرَيشٍ حتَّى حُزَّت رؤوسُهم وأُلقوا في القليبِ. وقيل: بالتَّوفيقِ والعِرفانِ، وتُذِلُّ بالخذلانِ. وقال عطاءٌ: المهاجِرين والأنصارَ، وتُذِلُّ فارِسَ والرُّومَ. وقيل: بالطَّاعةِ، وتُذِلُّ بالمعصيةِ. وقيل: بالظَّفَرِ والغنيمةِ، وتُذِلُّ بالقتلِ والجزيةِ. وقيل: بالإخلاصِ، وتُذِلُّ بالرِّياءِ. وقيل: بالغِنى، وتُذِلُّ بالفَقرِ. وقيل: بالجنَّةِ والرُّؤيةِ، وتُذِلُّ بالحِجابِ والنَّارِ، قاله الحَسَنُ بنُ الفَضلِ. وقيل: بقَهرِ النَّفسِ، وتُذِلُّ باتِّباعِ الخِزي، قاله الوَرَّاقُ. وقيل: بقَهرِ الشَّيطانِ، وتُذِلُّ بقَهرِ الشَّيطانِ إيَّاه، قاله الكتَّانيُّ. وقيل: بالقناعةِ والرِّضا، وتُذِلُّ بالحِرصِ والطَّمَعِ، وينبغي حملُ هذه الأقاويلِ على التَّمثيلِ؛ لأنَّه لا مخصِّصَ في الآيةِ، بل الذي يقَعُ به العِزُّ والذُّلُّ مسكوتٌ عنه.

وقال سُبحانَه: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ) [الأعراف: 152].

قال الطَّبَريُّ: (يقولُ تعالى ذِكرُه: إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ إلهًا سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ، بتعجيلِ اللَّهِ لهم ذلك وَذِلَّةٌ وهي الهوانُ؛ لعقوبةِ اللَّهِ إيَّاهم على كُفرِهم برَبِّهم فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا في عاجِلِ الدُّنيا قبلَ آجِلِ الآخِرةِ).

أذلهم الله، والأمة الإسلامية جعلتهم أعزة وذوي شأن على الأمة الإسلامية.

وقال ابنُ عاشورٍ: (معنى نَيلِ الذِّلَّةِ إيَّاهم أنَّهم يصيرون مغلوبين لمن يغلِبهم؛ فقد يكونُ ذلك بتسليطِ العدوِّ عليهم، أو بسَلبِ الشَّجاعةِ من نفوسِهم، بحيث يكونون خائفين العَدُوَّ ولو لم يُسَلَّطْ عليهم، أو ذلَّةُ الاغترابِ؛ إذ حرمهم اللَّهُ مِلكَ الأرضِ المقدَّسةِ، فكانوا بلا وَطَنٍ طولَ حياتِهم حتى انقَرَض ذلك الجيلُ كلُّه. وهذه الذِّلَّةُ عقوبةٌ دُنيويَّةٌ قد لا تمحوها التَّوبةُ؛ فإنَّ التَّوبةَ إنما تقتضي العفوَ عن عقابِ التَّكليفِ، ولا تقتضي تركَ المؤاخَذةِ بمصائبِ الدُّنيا؛ لأنَّ العقوباتِ الدُّنيويَّةَ مسبَّباتٌ تنشأُ عن أسبابِها، فلا يلزمُ أن ترفعَها التَّوبةُ إلَّا بعنايةٍ إلهيَّةٍ خاصَّةٍ). وأيُّ ذُلٍّ أشدُّ مِن أنْ يَغلِبَ الكُفَّارُ على المسلمينَ، ويَأخُذوا أموالَهم وأزواجَهم وأَولادَهم ويَقتُلوهم! .

ونهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الذل؛ ففي الحديث الذي رواه حذيفة بن اليمان: (لا ينبغي للمؤمنِ أن يُذِلَّ نفسَه، قالوا: وكيف يُذِلُّ نفسَه؟! قال: يتعرضُ من البلاءِ لما لا يُطِيقُ).

أمَرَنا الإسلامُ بما نَستَطيعُ، ورَفَعَ عنَّا الوِزرَ فيما لا نَستَطيعُ عَمَلَه؛ فالشَّريعةُ الإسلاميَّةُ جاءَتْ بالتَّيسيرِ والرَّحمةِ، ولم تُكلِّفِ الإنسانَ فَوقَ طاقَتِه. وفي هذا الحَديثِ يَقولُ الرَّسولُ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: “لا يَنبَغي لِلمُؤمِنِ أنْ يُذِلَّ نَفْسَه”، والمَعنى: لا يَجوزُ لِلمُؤمِنِ أنْ يأتيَ ما يَكونُ سَبَبًا في ذُلِّه وهَوانِه مع الناسِ. فتعَجَّبَ الصَّحابةُ؛ لِأنَّه لا يُوجَدُ شَخصٌ يُحِبُّ ذلك لِنَفْسِه؛ فالإنسانُ مَجبولٌ على إعزازِ نَفْسِه، “قالوا: وكيف يُذِلُّ نَفْسَه؟” كيف يُذِلُّ الشَّخصُ نَفْسَه؟ وما نَوعُ ذلك الإذلالِ؟ قال النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: “يَتعَرَّضُ مِنَ البَلاءِ لِمَا لا يُطيقُ”.

قيلَ: بالدُّعاءِ على نَفْسِه بالبَلايا، أو بفِعلِ ما يَنتِجُ عنه ذلك، ومِثالُه: إنكارُه لِمُنكَرٍ باليَدِ أو باللِّسانِ؛ فيَترتَّبُ عليه بسَبَبِ ذلك ضَرَرٌ لا يَستَطيعُ تَحمُّلَه، كأنْ يأمُرَ بالمَعروفِ ويَنهى عنِ المُنكَرِ مَن لا يَسلَمُ غالِبًا مِن أذاه على نَفْسِه ومالِه وأهلِه؛ فليس له والحالُ كذلك أنْ يأمُرَ أو يَنهى؛ لِمَا يَترتَّبُ عليه مِن ذُلٍّ وهَوانٍ لِلمُؤمِنِ، وهذا لا يُسقِطُ عنه الإنكارَ بالقَلبِ؛ فإنْ فَوَّتَ اليَدَ واللِّسانَ لِعلَّةٍ، لم يَسقُطْ عنه إنكارُ القَلبِ. وفي الحَديثِ: أنَّ المُسلِمَ مأمورٌ بعَمَلِ ما في استِطاعَتِه دونَ تَشدُّدٍ أو إهانةٍ ومَذلَّةٍ لِلنَّفْسِ. وفيه: أنَّ الدِّينَ يُسرٌ لا عُسرٌ.

عن تميمٍ الدَّاريِّ -رَضِيَ اللَّهُ عنه- قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: (ليبلُغَنَّ هذا الأمرُ ما بلغَ اللَّيلُ والنَّهارُ، ولا يترُكُ اللَّهُ بيتَ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلَّا أدخَله اللَّهُ هذا الدِّينَ، بعِزِّ عزيزٍ أو بذُلِّ ذليلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ به الإسلامَ، وذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ به الكُفرَ). وكان تميمٌ الدَّاريُّ يقولُ: “قد عرَفْتُ ذلك في أهلِ بيتي؛ لقد أصاب من أسلَمَ منهم الخَيرَ والشَّرَفَ والعِزَّ، ولقد أصاب من كان منهم كافِرًا الذُّلَّ والصَّغارَ والجِزيةَ”.

وعن المِقدادِ بنِ الأسوَدِ قال: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- يقولُ: (لا يبقى على ظَهرِ الأرضِ بيتُ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلَّا أدخله اللَّهُ كَلِمةَ الإسلامِ، بعِزِّ عزيزٍ أو ذُلِّ ذليلٍ، إمَّا يُعِزُّهم اللَّهُ فيجعَلُهم من أهلِها، أو يُذِلُّهم فيَدينون لها).

ففي هذا الحديثِ يُبَشِّرُ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- بعِزِّ هذا الدِّينِ وتمكينِه في الأرضِ، وأنَّ هذا العِزَّ والتَّمكينَ سيكونُ سواءً بعِزِّ عزيزٍ أو بذُلِّ ذليلٍ؛ أي: أدخَل اللهُ تعالى كَلِمةَ الإسلامِ في البيتِ مُلتَبِسةً بعِزِّ شَخصٍ عزيزٍ، أي: يعِزُّه اللهُ بها حيث قَبِلَها من غيرِ سَبيٍ وقتالٍ، “وذُلِّ ذليلٍ” أي: أو يُذِلُّه اللهُ بها حيثُ أباها، والمعنى: يُذِلُّه اللهُ -بسَبَبِ إبائِها- بذُلِّ سَبيٍ أو قتالٍ، حتى ينقادَ إليها كَرهًا أو طَوعًا، أو يُذعِنَ لها ببَذلِ الجِزيةِ.

والحديثُ مُقتَبَسٌ من قولِه تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [التوبة: 33]. ثمَّ فسَّر العزَّ والذُّلَّ بقولِه: “إمَّا يُعِزُّهم” أي: قومًا أعزُّوا الكَلِمةَ بالقَبولِ، “فيَجعَلُهم من أهلِها” بالثَّباتِ إلى المماتِ، “أو يُذِلُّهم” أي: قومًا آخرين لم يلتفتوا إلى الكَلِمةِ وما قَبِلوها، فكأنَّهم أذلُّوها؛ فجُوزوا بالإذلالِ جزاءً وِفاقًا، “فيَدينون لها”… أي: يطيعون وينقادون لها.

و((أرسل رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- إلى عُيَينةَ بنِ حِصنِ بنِ حُذَيفةَ، والحارِثِ بنِ عَوفِ بنِ أبي حارثةَ، رئيسَي غَطَفانَ، فأعطاهما ثُلُثَ ثمارِ المدينةِ، وجرت المراوضةُ في ذلك، ولم يتِمَّ الأمرُ، فذكر ذلك رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- لسَعدِ بنِ مُعاذٍ وسَعدِ بنِ عُبادةَ، فقالا: يا رسولَ اللهِ، أشيءٌ أمرك اللهُ به فلا بُدَّ لنا منه؟ أم شيءٌ تحِبُّه فنصنَعُه، أم شيءٌ تصنَعُه لنا؟ قال: بل شيءٌ أصنعُه لكم، واللهِ ما أصنعُ ذلك إلَّا أني رأيتُ العربَ قد رمَتْكم عن قوسٍ واحدةٍ. فقال سعدُ بنُ معاذٍ: يا رسولَ اللهِ، قد كنَّا نحن وهؤلاء القومُ على الشِّركِ باللَّهِ وعبادةِ الأوثانِ، وهم لا يُطيقون أن يأكُلوا منها تمرةً إلَّا قِرًى أو بيعًا، فحين أكرَمَنا اللهُ تعالى بالإسلامِ، وهدانا له، وأعزَّنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟! واللهِ لا نعطيهم إلَّا السَّيفَ. فصَوَّب رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- رأيَه، وتمادَوا على حالِهم)).

وهكذا كان رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- يُرَبِّيهم على معاني العِزَّةِ، ويَغرِسُها في قلوبِهم غَرسًا.

(إن الله لينصرن هذا الدين بالرجل الفاجر، أمثال “ترمب” و”النتن” وأمثالهما!)؛ ولا كلام بعد كلام رسول الإنسانية، وهذه بشارة من الرسول -صلى الله عليه وسلم- لنصرة الدين على يد هؤلاء الفجار. ففي الحديث الذي رواه النعمان بن مقرن: (إنَّ اللهَ ليُؤيِّدُ هذا الدِّينَ بالرجلِ الفاجرِ)، وفي رواية أبي هريرة: (إنَّ اللهَ ليؤيدُ هذا الدينَ بأقوامٍ لا خلاقَ لهمْ).

إنَّ من هدي نبينا محمدٍ -صلى الله عليه وآله وسلم- نشرَ التفاؤل، وإشاعةَ الطمأنينة، وتوقُّع الخير من الله سبحانه وتعالى على وجه اليقين والتصديق المطلق بما وعد الله جل وعلا به. ويتأكد نشر هذا الفأل كلما عرض للمسلم أو للمسلمين ما قد يجعلهم يتسرَّب إليهم شيءٌ من القنوط؛ فإنَّ القنوط واليأس مما تَمنعه الشريعة، والواجب على المسلم أن يكون متعلقًا بالأمل العظيم والتوكل الكبير على العزيز الرحيم.

سيكون هؤلاء الفجار سبباً في انتشار الإسلام في أنحاء العالم؛ فالرسول -صلى الله عليه وسلم- يقرِّر: (ليبلغنَّ هذا الأمر)، وهو الإسلام. ليبلغن إلى أين؟ (ما بلغ الليل والنهار)، وهل على وجه الأرض موضع لا يبلغه ليل ولا نهار؟! كلَّا؛ فهذا الإسلام سيصل إلى كل موضع، سيصل وتظهر به الحجة.

ولذلك قال عليه الصلاة والسلام مؤكِّدًا هذا الأمر: (ولا يترك الله بيت مدرٍ): بيت طين، بيتًا بُنِي من المواد المعروفة من التراب أو الطين أو الإسمنت أو غير ذلك، (ولا وَبَرٍ): ولا بيتًا مؤقتًا كبيوت الصوف وغيرها، (إلا أدخله الله هذا الدين). والرسول -صلى الله عليه وسلم- يقرر أنه سيبلغ هذا الأمر -أي الإسلام برسالته- وأمر فوق هذا، وهو أن هذه البيوت التي فيها غير المسلمين ولو في ديارهم، سيكون منهم مَن يشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله.

نعم، هذا الأمر حاصل، وقد وقع في القديم؛ ولذلك نجد أنَّ الناس دخلوا في دين الله أفواجاً في ديارٍ ما كان يُعرف فيها الإسلام، فأخرج الله من ظهورهم من يعبد الله لا يُشرك به شيئاً؛ أمنية سيدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما قال له ملك الجبال في تلك اللحظات التي آذى فيها المشركون رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إنْ شئتَ كما أمرني ربي أن أُطبق عليهم الأخشبين) -أي أُهلك أولئك الكفرة الذين كذبوا بك وآذوك- قال: (لا؛ لعل الله أن يُخرج من أصلابهم من يَعبد الله لا يُشرك به شيئاً)، وتحقَّقت أمنيته -صلى الله عليه وسلم-.

وتأملوا حينما يقرِّر النبي -صلى الله عليه وسلم- ظهور هذا الدين بعزِّ عزيز أو بذلِّ ذليل؛ سوف تُرغَم الأنوف أمام هذا الدين، فالله يُعِزُّ مَن التحَق به فيجعل له الخير والشرف والظهور، وأما من عارضه فإنَّ الله يُذله، وأعظم الذل له أن يبقى على كفرِه.
ولذلك قرَّر الله -جل وعلا- هذا الأمر في قوله سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: 32]. فإذا أبى الله مراد المجرمين، فكيف لهم أن يُنفذوا ما خطَّطوا له؟ فهَيْهات هيهات أن يصلوا إلى هذا المراد. وانظروا إلى تحقير الله لشأنهم؛ فإن كل الجهود التي تُبذل لصدِّ الناس عن الدين داخلةٌ في هذا الوصف “بأفواههم”: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾؛ فمنتهى تخطيطهم وتدبيرهم وسهرهم الليل والنهار، ومكرهم الليل والنهار، هو هذا الوصف “بأفواههم”: بكذبهم وتلفيقهم وادعائهم. وهل يستطيع أحد أن يحجب ضوء الشمس في رابعة النهار ليس دونها سحاب ولا قتر؟! هيهات هيهات.

والله يقول مؤكداً هذا الأمر: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 32، 33]. فهم يريدون أن يطفئوا -كما يقول المفسرون- نور الله، وهو ما بعَث به نبيَّه محمداً -صلى الله عليه وسلم- من الهدى ودين الحق بمجرد جدالهم وافترائهم؛ ولذلك مثلهم كمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس أو نور القمر بنفخة من فمه، وهذا لا سبيل إليه. وكذلك ما أرسل الله به نبيه محمداً -صلى الله عليه وسلم- لا بد أن يتم ويظهر، وقد تمَّ وظهر في بواكير هذه الرسالة العظيمة، وسيبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ ولذلك يقول الله: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.

وفي رواية ثوبان مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ اللَّهَ زَوَى لي الأرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها، وإنَّ أُمَّتي سَيَبْلُغُ مُلْكُها ما زُوِيَ لي مِنْها، وأُعْطِيتُ الكَنْزَيْنِ الأحْمَرَ والأبْيَضَ، وإنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتي أنْ لا يُهْلِكَها بسَنَةٍ عامَّةٍ، وأَنْ لا يُسَلِّطَ عليهم عَدُوًّا مِن سِوَى أنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وإنَّ رَبِّي قالَ: يا مُحَمَّدُ، إنِّي إذا قَضَيْتُ قَضاءً فإنَّه لا يُرَدُّ، وإنِّي أعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أنْ لا أُأُهْلِكَهُمْ بسَنَةٍ عامَّةٍ، وأَنْ لا أُسَلِّطَ عليهم عَدُوًّا مِن سِوَى أنْفُسِهِمْ، يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ، ولَوِ اجْتَمَع عليهم مَن بأَقْطارِها -أوْ قالَ: مَن بيْنَ أقْطارِها- حتَّى يَكونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، ويَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا) [صحيح مسلم].

كان النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- يُبشِّرُ أصْحابَه بالفُتُوحاتِ؛ ليُثبِّتَ قُلُوبَهم، ودَليلًا على صِدقِ رِسالتِه. وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- عن بَعضِ ما أنْعَمَ اللهُ سُبحانَه وتَعالَى عَليه وعَلى أُمَّتِه، وعن سَعةِ انتِشارِها في الأرضِ؛ فيَقولُ: «إنَّ اللهَ زَوى ليَ الأرضَ»، أي: قَبَضَها وجَمَعَها مرَّةً واحدةً أمامي، فرَأيْتُ مَشارقَها ومَغاربَها وجَميعَ أقطارِها ونَواحِيها، حتَّى أبصَرَ النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- ما تَملِكُه أُمَّتُه مِن أقْصى المشارِقِ والمغارِبِ منها، «وإنَّ مُلْكَ أُمَّتي سَيَبلُغُ ما زُوِيَ لي» مِنَ الأَرضِ، ثُمَّ هيَ تُفتَحُ لأُمَّتي جُزءًا فجُزءًا حتَّى يَصِلَ مُلكُ أُمَّتي ما زُوِيَ لَه مِنها، «وأُعْطِيتُ الكَنزَيْنِ الأَحمرَ والأَبيضَ»، أي: كَنزَ الذَّهبِ والفضَّةِ، والمُرادُ كَنزَيْ كِسْرى وقَيصَرَ مَلِكَي العراقِ والشَّامِ.

ثُمَّ يقولُ النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: «سَألتُ رَبِّي ودَعوتُه لأُمَّتي أنْ لا يُهلِكَها بسَنَةٍ عامَّةٍ»، أي: بقَحطٍ يَعُمُّهم، بلْ إنْ وَقَع قَحطٌ فيَكونُ في ناحيةٍ يَسيرةٍ بالنِّسبةِ إلى باقِي بلادِ الإِسلامِ، «وألَّا يُسلِّطَ عليهم عدُوًّا مِن الكافرينَ مِن سِوى أَنفسِهم، فيَستبِيحَ بَيْضتَهم»، أي: يُفْني جَماعتَهم وأَصلَهم، والبَيضةُ أيضًا العزُّ والمُلكُ.

ثمَّ أخبَرَ النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- ما قاله له رَبُّ العِزَّةِ، وأنَّه سُبحانه قال: «يا مُحمَّدُ، إِنِّي إذا قضيتُ قضاءً فإنَّه لا يُرَدُّ»، أي: إذا حَكمتُ حُكمًا مُبرَمًا فإنَّه لا يُرَدُّ بشَيءٍ بلْ يَنفَذُ لا مَحالةَ، وإنِّي أَعطيتُك لأُمَّتِك ألَّا أُهلِكَهم بسَنَةٍ عامَّةٍ بقَحطٍ وجُوعٍ وشِدَّةٍ، وألَّا أُسلِّطَ عَليهم عدوًّا مِن سِوى أَنفسِهم يَستبيح بَيضتَهم، وَلو اجتَمعَ عَليهم مَن بأَقطارِها. والمَعنى: فَلا يَستبيحُ عدوٌّ منَ الكُفَّار بَيْضتَهم ولوِ اجتمعَ على مُحاربتِهم أعداءُ المسْلِمين جميعًا، حتَّى يَكونَ بعضُ المسْلِمين يُهلِكُ بعضًا آخَرَ منهم، ويَسبِي ويَأسِرُ بَعضُهم بَعضًا؛ فإذا كان مِن المسْلِمين ذلكَ تَفرَّقَت جَماعتُهم واشتَغَلَ بعضُهم ببَعضٍ عن جِهادِ العَدوِّ، فتَقْوى شَوكةُ العدوِّ ويَسْتولى عليهم.

وهذا الحديثُ يُبيِّنُ أنَّ للهِ تعالَى في خَلقِه قَضاءينِ: قَضاءً مُبْرَمًا وقَضاءً مُعلَّقًا؛ أمَّا القضاءُ المعلَّقُ وهو المكتوبُ في الصُّحفِ الَّتي في أيْدي الملائكةِ، فهو عبارةٌ عمَّا قَدَّره في الأزلِ مُعلَّقًا بفِعلٍ، مثلُ: إنْ فُعِلَ الشَّيءُ الفُلانيُّ كان كذا وكذا، وإنْ لم يُفعَلْ فلا يكونُ كذا وكذا؛ فهذا القضاءُ هو مِن قَبيلِ ما يَتطرَّقُ إليه المحْوُ والإثباتُ. وأمَّا القضاءُ المُبْرَمُ فهو عبارةٌ عمَّا قَدَّره سُبحانَه وتَعالَى في الأزلِ مِن غيرِ أنْ يُعلِّقَه بفِعلٍ، فهو في الوقوعِ نافذٌ غايةَ النَّفاذِ، بحيث لا يَتغيَّرُ بحالٍ، ولا يَتوقَّفُ على المَقْضي عليه ولا المَقْضي له؛ لأنَّه مِن عِلمِه بما كان وما يكونُ، وخِلافُ مَعلومِه مُستحيلٌ قطْعًا، وهذا مِن قَبيلِ ما لا يَتطرَّقُ إليه المحْوُ والإثباتُ.
وفي الحديثِ: بَيانُ عَظَمةِ مَنزِلةِ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- عندَ اللهِ سُبحانَه وتَعالَى؛ حيثُ أكرَمَه بإعطاءِ ما سَألَه في أُمَّتِه. وفيه: بَيانُ عَظَمةِ هذا الدِّينِ، وأنَّه يَملَأُ الأرضَ كلَّها.

فينبغي على الأمة ألا تشغل أنفسها وتضيع أوقاتها في الأحداث الجارية، ويفضل أن تشغل أنفسها بالعبادة والدعاء على هؤلاء الفجار.

زر الذهاب إلى الأعلى