إصلاحُ ذاتِ البينِ

بقلم: د. ياسر جعفر

إصلاح ذات البين من أعمال الخير الرائدة في حديقة الأعمال الصالحات، وعمل بسيط ولكن جزاءه كبير؛ مجرد تُصلح بين اثنين متخاصمين، سواء أصدقاء أو زملاء، أو رجل وزوجته، أو بين عائلتين، أو بين الجيران، أو بين أخ وأخيه، أو أخ وأخته. من الأعمال المقدمة على بعض العبادات والفرائض، وأيضاً يكون الإصلاح بين الدول الشقيقة والصديقة؛ لأن إصلاح ذات البين على المستوى الفردي والأسري والمجتمعي والدول.
عكس أصحاب الفتن شياطين الإنس الذين يفرقون بين الناس، هم أصحاب قلوب الشياطين لهم عذاب أليم. ولذلك فإن ما وصلت له الأمة الإسلامية من شقاق ونزاع جعلها أمة ضعيفة استهزأ بها أعداء الإسلام على مستوى العالم بسبب اشتعال الفتن التي أدت بهم إلى النزاع. ولذلك أهمية الإصلاح بين الناس من أعظم الأعمال على الإطلاق؛ لأن في جوهرها القوة والاتحاد “اللي” الأعداء “مش عايزينهم”، ولذلك أكد عليه الشرع.
ففي الحديث الذي رواه أبو الدرداء: (ألا أخبرُكم بأفضلَ من درجةِ الصيامِ والصلاةِ والصدقةِ؟ قالوا: بلى، قال: إصلاحُ ذاتِ البينِ، وفسادُ ذاتِ البينِ الحالِقةُ) [صحيح أبي داود].
أقامَ الإسلامُ عَلاقةَ المسلمينَ على التواصُلِ والمحبَّةِ والتناصُحِ في اللهِ، وقِوامُ المجتَمعِ يَقومُ على التَّعارفِ والتعاوُنِ بينَ الناسِ؛ فإذا حَكمتِ العَلاقاتِ البَغضاءُ والتَّشاحُن، فإنَّ هذا يُنذِرُ بخَرابِ المجتَمعاتِ وضِياعِ الدِّينِ.
وفي هذا الحَديثِ يقولُ النبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- لأصحابِه -رضيَ اللهُ عَنهم-: “ألَا” استفتاحُ السُّؤالِ بـ(ألا)؛ للتَّنبيهِ والتَّحفيزِ إلى الأمْرِ الذي سَيذكُره، “أُخبِرُكم”، أي: عَن عَملٍ “بأفضلَ مِن دَرجةِ الصِّيامِ والصَّلاةِ والصَّدَقة؟” قالَ الصَّحابةُ: “بَلى”! قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: “إصْلاحُ ذاتِ البَينِ”، أي: السَّعيُ في إصلاحِ العَلاقاتِ بينَ الناسِ ورَفعِ ما بَينَهم مِن خُصوماتٍ ودَفعِهم إلى الأُلفةِ والمحبَّةِ، وهوَ الأمرُ الأفضلُ في المنفَعةِ بينَ الناسِ وإقامةِ المجتمَعاتِ، وهو المعامَلاتُ والتواصُل؛ وذلكَ لأنَّ إصلاحَ ذاتِ البَينِ فيهِ مَنفعةٌ ظاهِرةٌ ومُباشرةٌ للجَميعِ.
ثمَّ قال -صلَّى الله عليه وسلَّم-: “وفَسادُ ذاتِ البَينِ”، أي: إنَّ فسادَ ذاتِ البَينِ وتركَ السَّعيِ في الإصلاحِ يؤدِّي إلى “الحالِقة”، أي: القاطِعة والمُنْهية التي تأتِي على كلِّ شيءٍ وتحلِقُه وتقطَعُه من جُذورِه، سواءٌ مِن أمورِ الدِّين أو الدُّنيا؛ لأنَّها تُؤدِّي إلى التشاحُنِ بينَ الناسِ والتهاجُرِ وربَّما التقاتُل. هذا غَيرُ ما فيها مِن الأثرِ القَلبيِّ السيِّئِ على الإنسانِ، فيُفسِد قلبَه على إخوانِه؛ فلا يكونُ للدِّين والعِبادات أثرٌ ظاهرٌ في نَفْسِه أو مجتمَعِه.
وفي الحديثِ: الحثُّ والترغيبُ على إصلاحِ العَلاقاتِ بينَ الناسِ. وفيهِ: بيانُ أنَّ إفسادَ العلاقاتِ بينَ الناسِ يَهدمُ الدِّينَ والدُّنيا.
وفي رواية أبي هريرة: (ما عُمِلَ شيءٌ أفضَلُ مِنَ الصَّلاةِ، وصَلاحِ ذاتِ البَيْنِ، وخُلُقٍ جائزٍ بينَ المُسلِمينَ) [صحيح الترغيب].
إن الدين الإسلامي يدعو إلى المحبة والرحمة والتآلف؛ فالشريعة رغَّبت في جمع القلوب، والإصلاح بين الناس، وأن يكون أمر المسلمين مجتمعاً، وقد جعلت الأخوة أمراً مرغوباً فيه، مثاباً عليه لمن قام بحقه. وقد جاءت الأحاديث بإفشاء السلام، وإجابة الدعوة، وعيادة المريض، وكل ما من شأنه أن يقرب بين المسلمين. ونهت عن الكذب، والنميمة، والغيبة، والهمز واللمز، والسخرية، وعن كل ما من شأنه أن يسيء العلاقة ويقطع المودة بين المسلمَين. وجاءت الشريعة بكل ما يحفظ العلاقات بين المسلمين، ومنها إصلاح ذات البين.
فإصلاح ذات البين من الأمور العظيمة والعبادات الجليلة التي تركها كثيرٌ من الناس ورغبوا عنها. ونحن في مجتمعٍ مادي تغلب عليه المادة وتكثر فيه المعاصي، ولذلك فإن الخلافات لا بد أن تكثر تبعاً لذلك، وعلى جميع المسلمين -وخاصة الدعاة إلى الله- أن يعتنوا بأمر إصلاح ذات البين، ومحاولة إزالة ما في النفوس، وهذا من العبادات العظيمة.
الإصلاح فضله عظيم عند الله، قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 114].
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر الله لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا» [رواه مسلم].
والإصلاح بين الناس واجب، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: 1]. وهذا أمرٌ لا بد منه؛ أصلحوا ما بينكم وبين إخوانكم، أصلحوا بين النفوس، قربوا بينها، أزيلوا أسباب العداوة والبغضاء. فينبغي على الأمة أن تسارع بالإصلاح بينهم البعض.
إنه من المؤسف الشديد أن تعلم أن هناك أُسراً متشتتة منذ سنوات عديدة، ولا أحد خطر بباله أن يتدخل في الإصلاح بينها إلا ما شاء الله؛ بل العجيب أن بعض الجيران لا يسأل عن أحوال جاره ولا يعلم بحاله، فقد تجد بعضهم يعاني من خلافات أسرية وتفكك بين أفراد أسرته، ويتمنى من جاره أن يسمع به فيتدخل لحل مشكلته، ولكن للأسف كلٌّ مشغول بنفسه، وكم من إخوان تقاطعوا وتفرقوا عدة سنوات ولم يصلح بينهم أحد.
إن إصلاح ذات البين عبادة عظيمة؛ لأن منفعتها متعدية، وصدقة من الصدقات، بل من أفضل الصدقات؛ يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أفضل الصدقة إصلاح ذات البين» [رواه البزار والطبراني وحسنه المنذري والألباني]. وتلك الصدقة لا يضاهيها تطوعٌ بصلاة أو صيام أو صدقة مالية مهما بلغت.
ولذلك أعمال السحر كُفر؛ بسبب الإشراك بالله، وأعمال التفريق بين الزوج وزوجته لتدمير الأسرة، وإذا تدمرت الأسرة تدمر المجتمع بأكمله وأصبحت أمة ممزقة أشلاء؛ قال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: 102].




