دين

{وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}

بقلم : د. ياسر جعفر

إنَّ الله تعالى يجعل الظالمين يتسلّط بعضهم على بعض، فيكون بعضهم أولياء لبعض أو حكّاماً عليهم؛ جزاءً لظلمهم وفسادهم.

تفسير المعنى:

إذا ظلم الناس وانتشر الفساد بينهم، يبتليهم الله بحكام أو قادة من جنس أعمالهم؛ فيكون الظالم مع الظالم، ويعين بعضهم بعضاً، أو يتسلط بعضهم على بعض بالعقوبة. قال بعض المفسرين: “أي نُسلِّط بعض الظالمين على بعض، بسبب ما كانوا يكسبون من الظلم والمعاصي”.

المعنى المبسط: إذا فسد المجتمع وكثر الظلم، فقد يُسلَّط عليهم من يظلمهم، فيكون ذلك جزاءً أو ابتلاءً بسبب أعمالهم.
وفي هذه الأيام نرى حرباً تُشعل نار الفتن في الشرق الأوسط؛ ربما يقول القارئ: “أمريكا وإسرائيل والغرب كانوا مع إيران لقتل المسلمين في بعض الدول”، نعم هذه حقيقة؛ قوى الشر تجتمع على المسلمين ولكن بأسهم بينهم شديد لأن قلوبهم قلوب شياطين. وأي دولة ظلمت لا بد أن تشرب من نفس الكأس، وأي حاكم ظلم شعبه يرى عقاب الله في الدنيا قبل الآخرة.

ولو تأملنا في الحرب القائمة بين “الحبايب” على قتل المسلمين (أمريكا الصهيونية وإسرائيل اليهودية مع الغرب وإيران)، فقد قاموا بقتل مئات الآلاف من المسلمين، وكان سفك دماء المسلمين رخيصاً عندهم. حينما قامت الحرب على العراق، تحالفت قوى الشر على إبادة “السنة” بالعراق وسفك دمائهم في كل مكان بقيادة أمريكا وإسرائيل وإيران مع خونة بعض البلاد العربية، وأيضاً سفك الدماء في اليمن ولبنان وسوريا وفلسطين وليبيا بمثلث الشر (الأمريكي والإسرائيلي والإيراني).

وحينما انتهت مهمة إيران أرادوا القضاء عليها بتعليمات من خونة العرب، وطبعاً “ترمب” كبش “ترليون” قبل الضرب في إيران؛ فالحرب مسألة شخصية من الطراز الأول. وأرادوا أن يشعلوا الفتنة في الشرق الأوسط لتحطيم اقتصاد الصين وكسر شوكتها في المنطقة؛ فأمريكا تعلم جيداً خطورة الصين وتضرب “من تحت لتحت”، ولذلك الكل تحالف على ضرب إيران على أساس عقائدي، ولذلك قوى الشر كلها موافقة ولكن النار ستحرق الكل: {وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}.

هناك مخطط خبيث من أمريكا وإسرائيل وبعض الخونة في الشرق الأوسط، وهذه الحرب رد للحقوق المظلومة وسيلان دماء المسلمين في كثير من الدول، فالظلم ظلمات. روى مسلم عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم؛ حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم».

مستمعيَّ الكرام:

يبين لنا هذا الحديث الشريف عاقبة الظلم ومصيرَ الظالمين؛ ذلك المصير المشئوم لأنه يكون يوم القيامة ظلاماً حالكاً يحل بصاحبه فلا يرى طريقه، ولا يعرف إلى أين يمضي أو كيف يسير؟.. وبهذا التعبير الموجز عن مصير الظالمين يُنفر النبىُّ -صلى الله عليه وسلم- من الظلم بجميع أشكاله وألوانه، ويُحذر من عاقبته التى هي أسوأ عاقبة: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [الشعراء: 227]. وليس هذا فحسب، بل إن الظالم سينتقم الله تعالى منه في الدنيا قبل الآخرة؛ فإذا تأخر عنه العذاب فليس هذا إهمالاً من الله، بل إنه زيادة في عذاب هذا الظالم واستدراج له، وفي ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته»، وتلا قوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102].

وأقبح أنواع الظلم وأبشعُه صورةً أن يظلم المرء قريبَه أو صديقَه أو من يجبُ الإحسانُ إليه والعطفُ عليه، ولقد صدق القائل:
وظلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضةً .. على النفس من وقع الحُساَم المهنَّد .

وفي الحديث تحذير من مرض اجتماعي فتاك، ألا وهو الشحُّ والبخل. البخل يكون بالمال، أما الشح فيكون بالمال وبعمل الخير؛ فهو أعم. والمعنى: اتقوا شدة البخل الذي يُعرِّضُ المجتمع للهلاك؛ لأن المجتمع المسلم هو مجتمع التكافل والتضامن والتعاون على البر والتقوى بين أفراده، إذ يعود غنيُهم بما آتاه الله من مالٍ على فقيرهم، فيتحققُ الوئامُ وتفشو المحبةُ بين الناس. أما إذا فشا فيهم البخل، عمَّت العداوة والبغضاء وأَكَلَ الحسدُ والحقدُ قلوب الفقراء على الأغنياء؛ ولذا كان البخل سبباً في هلاك السابقين، حيث دفعهم -وتأمل معي لفظة دفعهم- فترى صورة إنسانٍ يدفعُ آخَر لحتفه، دفعهم إلى سفك الدماء، وقتل النفوس، واستحلال المحارم التي حرمها الله عز وجل.

فما أقبح الظلمَ وما أشنعَ البخلَ والشح من جريمةٍ عاقبتها وخيمة، تسبب الشقاء والخسران المبين، وتعجِّل بخراب المجتمعات. ومن هنا ندرك قيمة دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- حين يتعوذ بالله تعالى من أن يَظْلم أو يُظلم، وحين يتعوذُ بالله عز وجل من الجبن والبخل.. جعلنا الله تعالى من أهل العدل وجنّبنا البخل والشح، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

تتأمّل معي أخي المستمع قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «اتقوا الظلم»؛ الذي يشبّه الظلمَ بمن يريد أن يقتحم عليك حياتك أو يهجم عليك ليفتك بك، فيأمرك -صلى الله عليه وسلم- بالحذر منه والابتعاد عنه. والظلم هو التصرف في حق الغير بغير حق، أو هو مجاوزة الحد، وهو يشتمل على معصيتين:

الأولى: أخذ حق الغير بدون حق.

الثانية: مبارزة الله تعالى بالمخالفة والمعصية.

وغالباً ما يقع الظلم بالضعفاء غير القادرين على الانتصار لأنفسهم، وإنما ينشأ الظلم من ظلمة القلب؛ فلو استنار القلب لاعتبر.

ولقد ترتب على نتيجة الظلم في الدنيا أن يكون ظلماتٍ يومَ القيامة، وكأن في إيثار الجمع (ظلمات) بدلاً من (ظلام أو ظلمة) إشارةً إلى تعدد ألوان الظلم الحادث من البشر؛ فهذا يظلم نفسه، وهذا يظلم زوجه، وثالث يظلم أبناءه وغيرهم، ويترقى بعضهم إلى أعلى أنواع الظلم وهو الشرك بالله عز وجل: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13].

لذا آثر الحديث لفظة (ظلمات) أي: شدة الظلام؛ بحيث لا يرى المرء ما يحيط به، وكأن الظلم حاجز عن رؤية الأشياء، وقد طمس على قلب الظالم فلا يرى شيئاً، بل هي ظلمات بعضها فوق بعض؛ إذا أخرج يده لم يكد يراها، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور.

زر الذهاب إلى الأعلى