﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا﴾

بقلم: د. ياسر جعفر
في كل زمان أصنام؛ أصنام عبارة عن أحجار، وأصنام متحركة في صورة إنسان. زمن إبراهيم -عليه السلام- كانوا يعبدون أصناماً لا تضر ولا تنفع، ونحن في زماننا هذا أصنام متحركة، لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، ولهم عيون لا يبصرون بها. تقول لهم: “قال الله وقال الرسول ﷺ” فيعرضون! أعتقد أن هذه الأصنام المتحركة في زماننا هذا لا تفرق كثيراً عن أصنام زمان! .
كان قوم إبراهيم -عليه السلام- يعبدون الأصنام، فلما خرجوا إلى عيدهم دخل إلى المعبد وكسر جميع الأصنام إلا الصنم الكبير، وعلّق الفأس في عنقه. فلما رجع القوم ورأوا الأصنام مكسَّرة قالوا: مَن فعل هذا بآلهتنا؟
فقال لهم إبراهيم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾.
لماذا قال ذلك؟
قالها لعدة حكم عظيمة:
إقامة الحجة على قومه: أراد أن يجعلهم يفكرون؛ إذا كان الصنم الكبير لا يتكلم ولا يجيب، فكيف يكون إلهاً يُعبد؟
إلزامهم بالحقيقة التي يعرفونها: فهم يعلمون أن الأصنام لا تنطق ولا تدافع عن نفسها.
إظهار بطلان عبادة الأصنام: لذلك قال لهم: “اسألوهم إن كانوا ينطقون”.
ماذا حدث بعد ذلك؟
رجع القوم إلى أنفسهم وقالوا: ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾؛ أي أدركوا أن هذه الأصنام لا تنفع ولا تضر، لكنهم بعد ذلك كابروا وأصروا على الباطل.
هل كان هذا كذباً؟
العلماء قالوا: هذا ليس كذباً، بل أسلوب حِجاج وتعريض لإظهار الحق؛ فالمقصود: إن كانوا آلهة حقاً فليتكلموا ويدافعوا عن أنفسهم.
وقد ذكر النبي محمد ﷺ أن إبراهيم قال كلماتٍ ظاهرها خلاف الحقيقة، لكنها لإقامة الحجة ونصرة التوحيد.
✅ الخلاصة:
قال إبراهيم هذه العبارة ليُفكِّر قومه بعقولهم، ويكتشفوا أن الأصنام التي يعبدونها لا تسمع ولا تنطق ولا تنفع ولا تضر، وبالتالي لا تستحق العبادة.
﴿قَالَ﴾ إبراهيم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾؛ أي غضب من أن تعبدوا معه الصغار وهو أكبر منها فكسرهنَّ، وأراد بذلك إبراهيم إقامة الحجة عليهم، فذلك قوله: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ حتى يخبروا من فعل ذلك بهم.
قال القتيبي: معناه: “بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون” على سبيل الشرط، فجعل النطق شرطاً للفعل؛ أي: إن قدروا على النطق قدروا على الفعل، فأراهم عجزهم عن النطق، وفي ضمنه “أنا فعلت”.
وروي عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾ ويقول معناه: فعله من فعله، والأول أصح؛ لما رُوي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، اثنتان منهن في ذات الله؛ قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، وقوله لسارة: هذه أختي».
وقيل في قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾؛ أي: سأسقم، وقيل: سقيم القلب أي مغتم بضلالتكم. وقوله لسارة: “هذه أختي”؛ أي: في الدين. وهذه التأويلات لنفي الكذب عن إبراهيم، والأولى هو الأول للحديث فيه، ويجوز أن يكون الله عز وجل أذن له في ذلك لقصد الصلاح وتوبيخهم والاحتجاج عليهم، كما أذن ليوسف حتى أمر مناديه فقال لإخوته: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ ولم يكونوا سرقوا.




