دين

دكتور ياسر جعفر يكتب: في الجنة ثمانية أبواب (الجزء الثاني)

في المقال السابق تكلمنا عن “باب الريان” الخاص بالصيام، ونتكلم عن بابٍ آخر لكي تجهز المفتاح الخاص به، وتهتم به، وتضعه في “ميدالية الإخلاص واليقين الصادق لله وحسن التوكل على الله”.

الباب الثاني الذي نتكلم عنه في هذا المقال هو “باب الجهاد في سبيل الله”، وهذا الباب من الأبواب العظيمة والتي لها قدر كبير، والتي بدونها يحدث ذُلٌّ وانكسار للأمة؛ لأن أعداءنا يتربصون بنا ليل نهار ويريدون لنا الضعف والانكسار للاحتياج لهم بصفة مستمرة.

وكما نشاهد هذه الأيام الحرب القائمة بين الصهيونية الأمريكية واليهودية الإسرائيلية وإيران، “المثلث الشيطاني”، الذي كان سبباً في سفك دماء ملايين من المسلمين السنة في العراق واليمن وكثير من الدول بحجة مهاترات وخزعبلات الإرهاب، والحرب في الحقيقة على الإسلام؛ يريدون محو الإسلام من على قلوب المسلمين، وفي عقيدتهم المريضة يريدون أن يحكموا العالم على أهوائهم المنحرفة، ولذلك شرع الله الجهاد لردع هؤلاء السفلة المرتزقة.

والجهاد له باب بالجنة، فينبغي على الإنسان أن يحب باب الجهاد لكي يمتلك المفتاح الخاص به ويحتفظ به في “ميدالية اليقين بالله” مع مفتاح “باب الريان”. (والجهاد له أنواع…)

1 – فرض عين:
وهو ضد العدوِّ المهاجم لبعض بلاد المسلمين، كاليهود الآن الذين احتلُّوا فلسطين؛ فالمسلمون المستطيعون آثمون حتى يُخرِجوا اليهود منها بالمال والنفس.

2 – فرض كفاية:
إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وهو الجهاد في سبيل نقلِ الدعوة الإسلامية إلى سائر البلاد؛ حتى يحكمها الإسلام، فمن استسلَمَ من أهلها تُرك، ومن وقف في طريقها قوتل حتى تكون “كلمةُ الله هي العليا”. فهذا الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، فضلاً عن الأول.

وحين ترَك المسلمون الجهاد وغرَّتْهم الدنيا والزراعة والتجارة، أصابَهم الذُّلُّ، وصدق فيهم قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا تبايَعتُم بالعِينة، وأخذتم أذنابَ البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلَّط الله عليكم ذلًّا لا ينزعه عنكم حتى تَرجِعوا إلى دينكم»؛ [صحيح: رواه أحمد].

وفي هذا الحديثِ يقولُ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: “إذا تبايَعتُم بالعينةِ”، وهي: بيعُ سِلعةٍ بثَمنٍ مؤجَّلٍ، ثمَّ شِراؤُها بثَمنٍ أقلَّ، “وأخَذتُم أذنابَ البقَرِ، ورَضيتُم بالزَّرعِ”، أي: انشَغلتُم بالزَّرعِ وفِلاحةِ الأرضِ، “وترَكتمُ الجهادَ”، أي: ابتعَدتُم عنِ الجهادِ رغبةً في الدُّنيا، “سَلَّط اللهُ علَيكم ذلًّا”، أي: صَغاراً ومَسكَنةً وما يَنتُجُ عنهما، “لا يَنْزِعُه حتَّى تَرجعوا إلى دينِكم”، أي: لا يُرفَع هذا الذُّلُّ عنكم حتَّى تَرجِعوا إلى الجِهادِ، وسمَّاه هنا “دِينَكم” زجراً، أو حتَّى يَرجِعوا إلى دِينِهم بشُمولِه وكَمالِه، فيُقدِّموا ما يَجبُ أن يُقدَّمَ في موضعِه مِن أحكامِه.

وفي الحديثِ: الحثُّ على الجهادِ، وفيه بيانٌ لأسبابِ مرَضِ الأمَّةِ، وبيانُ العِلاجِ.

3 – جهاد حكام المسلمين:
ويكون بتقديم النصيحة لهم ولأعوانهم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة»، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامَّتِهم»؛ [رواه مسلم].

ولقوله صلى الله عليه وسلم: «أفضلُ الجهاد كلمةُ حقٍّ عند سلطان جائر»؛ [حسن، رواه أبو داود والترمذي].

وبيان طريق الخلاص من ظُلمِ الحكام الذين هم من جلدتنا، ويتكلَّمون بألسنتنا، هو أن يتوب المسلمون إلى ربِّهم، ويُصحِّحوا عقيدتهم، ويُرَبُّوا أنفسهم وأهليهم على الإسلام الصحيح؛ تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]، وإلى ذلك أشار أحدُ الدعاة المعاصرين بقوله: “أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم، تقُم لكم على أرضكم”.

وكذلك فلا بد من إصلاح القاعدة لتأسيس البناء عليها، ألا وهو المجتمع؛ قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 55].

4 – جهاد الكفار والشيوعيين والمحاربين من أهل الكتاب:
ويكون بالمال والنفس واللسان حسب الاستطاعة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «جاهِدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم»؛ [صحيح، رواه أبو داود].

5 – جهاد الفُسَّاق وأهل المعاصي:
ويكون باليد واللسان والقلب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرًا فلْيُغيِّرْه بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»؛ [رواه مسلم].

6 – جهاد الشيطان:
ويكون بمخالفته، وعدم اتِّباع وساوسه؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: 6].

7 – جهاد النفس:
ويكون بمخالفتها، وحملِها على طاعة الله، واجتناب معاصيه؛ قال تعالى على لسان امرأة العزيز التي اعترَفتْ بمراودتها ليوسف: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف: 53].

يتسابق الناس إلى تجارة الفضة والذهب الفانية، ويشمرون هم إلى تجارة السوق الرابحة الباقية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: 10-13].

وما أحسنه من بيع! وما أعظمه من شراء! وما أشرفه من استبشار! أخبرنا عن ذلك كله المالك له؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 111].

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «تضمَّن الله لمن خرج في سبيله، لا يُخرجه إلا جهادٌ في سبيلي، وإيمانٌ بي، وتصديقٌ برسلي، فهو ضامنٌ أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى منزله الذي خرج منه، بما نال من أجر أو غنيمة. والذي نفس محمد بيده؛ ما من كَلْمٍ يُكْلَم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته يوم كُلِم؛ لونه لون دم، وريحه ريح مسك. والذي نفس محمد بيده؛ لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدًا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشق عليهم أن يتخلفوا عني. والذي نفس محمد بيده؛ لوددت أن أغزو في سبيل الله فأُقتل، ثم أغزو فأُقتل، ثم أغزو فأُقتل»؛ [رواه مسلم].

وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولاً، وجبت له الجنة»، فعجب لها أبو سعيد فقال: أعِدْهَا عليَّ يا رسول الله، فأعادها عليه، ثم قال: «وأخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض»، قالوا: ما هي يا رسول الله؟ قال: «الجهاد في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله»؛ [رواه مسلم].

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع على عبد غبار في سبيل الله ودخان جهنم»؛ [رواه الترمذي].

وفي الحديث الذي رواه أبو هريرة: سَمِعْتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: «مَثَلُ المُجَاهِدِ في سَبيلِ اللَّهِ -واللَّهُ أعْلَمُ بمَن يُجَاهِدُ في سَبيلِهِ- كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ، وتَوَكَّلَ اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِ في سَبيلِهِ بأَنْ يَتَوَفَّاهُ أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أوْ يَرْجِعَهُ سَالِمًا مع أجْرٍ أوْ غَنِيمَةٍ»؛ [صحيح البخاري].

الإخلاصُ شرطُ قبولِ العملِ، وقد يكونُ العملُ وبالاً على صاحبِه إذا لم يُخلِصِ النيةَ للهِ سبحانه وتعالى، كما أنه يكونُ فوزاً ونعيماً إذا أخلصَ النيةَ.

وفي هذا الحديثِ ذكرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم وعدَ اللهِ تعالى للمجاهدِ الذي يخرجُ للقتالِ في سبيلِ اللهِ وهو مخلصٌ نيَّتَه للهِ، «واللهُ أعلمُ بمن يُجاهدُ في سبيلِه»؛ أي: إنَّ الله تعالى أعلمُ بالنياتِ، وأعلمُ بمن خرجَ لتكونَ كلمةُ اللهِ هي العليا ممَّن خرجَ ليحصِّلَ متاعَ الدنيا والشهرةَ والبطولةَ؛ فمن خرجَ مخلصاً لله تعالى فإنَّ أجرَه مثلُ أجرِ الصائمِ الذي يصومُ الفريضةَ بالنهارِ، وهو مع صومِه نهاراً قائمٌ يصلي ليلَه بخضوعٍ وإخلاصٍ لله تعالى، فجمعَ بذلك بين أجرِ العبادتينِ بفضلِ اللهِ. ومثَّلَه بالصائمِ؛ لأنَّ الصائمَ ممسكٌ لنفسِه عن الأكلِ والشربِ واللذاتِ، وكذلك المجاهدُ ممسكٌ لنفسِه على محاربةِ العدوِّ وحابسٌ نفسَه على من يقاتلُه، وكما أنَّ الصائمَ القائمَ الذي لا يفترُ ساعةً من العبادةِ، كذلك المجاهدُ لا يضيعُ ساعةً من ساعاتِه بغيرِ أجرٍ.

وبينَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ الله سبحانه قد تكفلَ ووعدَ من خرجَ مجاهداً بإحدى الحسنيينِ؛ إما أن يتوفَّاه شهيداً فيدخلَه الجنةَ، أو يرجعَه سالماً مأجوراً بجهادِه أعداءَ اللهِ، سواءٌ رجعَ بلا غنيمةٍ فيكونُ له الأجرُ وحده، أو رجعَ بالغنيمةِ فيكونُ له الأجرُ مع الغنيمةِ. وفي الحديثِ بيانُ فضلِ اللهِ على المجاهدين.

وفي روايةِ معاذِ بنِ جبلٍ رضي الله عنه قال: كنتُ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم في سفرٍ، فأصبحتُ يوماً قريباً منه ونحن نسيرُ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، أخبرني بعملٍ يدخلني الجنةَ ويباعدني من النارِ، قال: «لقد سألتَني عن عظيمٍ، وإنه ليسيرٌ على من يسَّرَه اللهُ عليه؛ تعبدُ اللهَ ولا تشرك به شيئاً، وتقيمُ الصلاةَ، وتؤتي الزكاةَ، وتصومُ رمضانَ، وتحجُّ البيتَ». ثم قال: «ألا أدلكَ على أبوابِ الخيرِ؟ الصومُ جُنَّةٌ، والصدقةُ تطفئُ الخطيئةَ كما يطفئُ الماءُ النارَ، وصلاةُ الرجلِ من جوفِ الليلِ». قال: ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ حتى بلغَ ﴿يَعْمَلُونَ﴾. ثم قال: «ألا أخبرُك برأسِ الأمرِ كلِّه وعمودِه وذروةِ سنامِه؟» قلتُ: بلى يا رسولَ اللهِ، قال: «رأسُ الأمرِ الإسلامُ، وعمودُه الصلاةُ، وذروةُ سنامِه الجهادُ».

ثم قال: «ألا أخبرُك بملاكِ ذلك كلِّه؟» قلتُ: بلى يا رسولَ اللهِ، قال: فأخذَ بلسانِه قال: «كُفَّ عليكَ هذا». فقلتُ: يا نبيَّ اللهِ، وإنَّا لمؤاخذونَ بما نتكلمُ به؟ فقال: «ثكلتكَ أمُّكَ يا معاذُ، وهل يكبُّ الناسَ في النارِ على وجوهِهم -أو على مناخرِهم- إلا حصائدُ ألسنتِهم؟»؛ [صحيح، رواه الترمذي].

زر الذهاب إلى الأعلى