دكتور ياسر جعفر يكتب: في الجنة ثمانية أبواب (الجزء الرابع)

تكلمنا في المقالات السابقة عن “باب الريان” للصائمين و”باب الجهاد” في سبيل الله، وينبغي على الإنسان العاقل أن يهتم بهذه الأبواب، وأن يعمل لها مفاتيح ويتم تجهيزها على أعلى مستوى من الدقة والإيمان والإخلاص لكي يفوز في الدنيا والآخرة. حاول أن تحتفظ وتجتهد في الاحتفاظ بالمفاتيح، والاحتفاظ بها في ميدالية الإخلاص واليقين الصادق لله وحسن التوكل على الله.
تكلمنا عن باب الريان وباب الجهاد، وباب الصلاة، وسوف نتكلم عن “باب الصدقة”؛ وينبغي على الإنسان العاقل أن يجتهد على الحفاظ على هذه الأبواب، ويحتفظ بمفاتيح هذه الأبواب بتنفيذ العبادات على أكمل وجه. ففي الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري: (جاءَ رجلٌ يومَ الجمعةِ والنَّبيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يخطبُ بِهَيئةٍ بذَّةٍ، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ: أصلَّيتَ؟ قالَ: لا! قالَ: صلِّ رَكْعتينِ. وحثَّ النَّاسَ على الصَّدقة، فألقَوا ثيابًا فأعطاهُ منها ثوبينِ. فلمَّا كانتِ الجمعةُ الثَّانيةُ جاءَ ورسولُ اللَّهِ يخطُبُ، فحثَّ النَّاسَ على الصَّدقةِ، قالَ: فألقى أحدَ ثوبيهِ، فقالَ رسولُ اللَّهِ: جاءَ هذا يومَ الجمعةِ بِهَيئةٍ بذَّةٍ، فأمَرتُ النَّاسَ بالصَّدقةِ، فألقوا ثيابًا، فأمرتُ لَهُ منها بثوبينِ، ثمَّ جاءَ الآنَ فأمرتُ النَّاسَ بالصَّدقةِ، فألقى أحدَهُما، فانتَهَرَهُ وقالَ: خُذ ثوبَكَ) [صحيح النسائي].
وفي الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه: (كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ عليه صَدَقَةٌ، كُلَّ يَومٍ تَطْلُعُ فيه الشَّمْسُ، يَعْدِلُ بيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، ويُعِينُ الرَّجُلَ علَى دابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عليها، أوْ يَرْفَعُ عليها مَتاعَهُ صَدَقَةٌ، والكَلِمَةُ الطَّيِّبةُ صَدَقَةٌ، وكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوها إلى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ، ويُمِيطُ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ) [صحيح البخاري].
جَعَلَ اللهُ كُلَّ أنواعِ الخيرِ الذي يبذلُه الإنسانُ في حقِّ نفسِه بالعبادةِ، وفي حقِّ غيرِه بالمعروفِ؛ من صدقاتِ البدنِ وما يتمتعُ به من الصِّحَّةِ والعافيةِ. وفي هذا الحديثِ يذكرُ النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم أنه على كُلِّ سُلامَى من الناسِ صدقةٌ، في كُلِّ يومٍ تطلعُ عليه الشمسُ، والسُّلامَى هي: المفاصلُ؛ فكُلُّ مَفْصِلٍ من مفاصلِ الإنسانِ عليه صدقةٌ لله تعالى، من فِعلِ الطاعةِ والخيرِ كُلَّ يومٍ، وهذه الصدقةُ تكونُ بتحرُّكِها في الطاعةِ، واشتغالِها بالعبادةِ.
فتراكيبُ هذه العظامِ ومفاصلِها من أعظمِ نِعَمِ الله على عبدِه، فيحتاجُ كُلُّ عظمٍ منها إلى صدقةٍ يتصدقُ بها ابنُ آدمَ عنه؛ ليكونَ ذلك شكراً لهذه النعمةِ. والمرادُ صدقةُ ندبٍ وترغيبٍ، لا إيجابٍ وإلزامٍ؛ فإنه يكفي في شكرِ هذه النعمِ أن يأتيَ بالواجباتِ، ويجتنبَ المحرماتِ.
ثم أرشدَ رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم لبعضِ وجوهِ الطاعاتِ التي يتصدقُ بها الإنسانُ عن مفاصلِه، فذكرَ أنَّ العدلَ بين اثنين -صلحاً أو حكماً- يكونُ صدقةً، والصلحُ خيرٌ، لكن إن عُلِمَ أنَّ الحقَّ لأحدهما فلا ميلَ عنه.
ومنها: أن يعينَ أخاه على ركوبِ دابَّتِه وغيرها من وسائلِ النقلِ إن لم يستطعِ الركوبَ بنفسِه، أو يعينَه بوضعِ متاعِه عليها، فتلك صدقةٌ. والمتاعُ هو: ما يُتمتَّعُ به في السفرِ من طعامٍ وشرابٍ وغيرهما. والمرادُ بالأخوَّةِ هنا الدينيةُ لا النسبيةُ؛ فالمسلمُ أخو المسلمِ، يرجو له من الخيرِ ما يرجوه لنفسِه، فيبذلُ المسلمون بعضُهم لبعضٍ كُلَّ أنواعِ المعروفِ.
ومن الصدقاتِ أيضاً: الكلمةُ الطيبةُ، سواء كانت طيبةً في حقِّ الله تعالى، كالتسبيحِ والتكبيرِ والتهليلِ، أو في حقِّ الناسِ، كحُسنِ الخُلُقِ؛ فإنها صدقةٌ. ومنها أيضاً: كُلُّ خطوةٍ يمشيها العبدُ إلى الصلاةِ، سواء بَعُدَتِ المسافةُ أو قصرتْ.
ومِنَ الصَّدَقاتِ: مَحوُ الأذى وإزالتُه عنِ الطَّريقِ، وهو كُلُّ ما يُؤذي المارَّةَ، فإذا أُميطَ عن طَريقِهم فإنَّه صَدَقةٌ.
وفي حديثِ مُسلمٍ الذي يَرويه أبو ذَرٍّ رضيَ اللهُ عنه، قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «ويُجزِئُ مِن ذلك رَكعَتانِ يَركَعُهما مِنَ الضُّحى»، أي: يَكفي مِمَّا وَجَبَ على السُّلامَى مِنَ الصَّدَقاتِ صَلاةُ الضُّحَى رَكعتانِ؛ لأنَّ الصَّلاةَ عَمَلٌ بجميعِ أعضاءِ البَدَنِ، وتَشملُ جميعَ ما ذُكِرَ مِنَ الصَّدَقاتِ وغَيرِها.
وفي الحديثِ: بيانُ تعدُّدِ أنواعِ الخَيراتِ والطَّاعاتِ التي يَصِحُّ أنْ تَكونَ صَدقةً مُقدَّمةً للهِ. وفيه: الحثُّ على فِعلِ الطَّاعاتِ فِعلاً مُستمرّاً مُداوَماً عليه. وفيه: بيانُ فضلِ اللهِ على عبادِه بأنْ وَفَّقَهم إلى الأعمالِ ثمَّ أعطاهمُ الأجرَ عليها.
مِنَحٌ من اللهِ للعبادِ لاغتنامِ مفتاحِ بابِ الصدقةِ في الجنةِ؛ فعن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها أنَّها قالت: «جاءتني مسكينةٌ تحمِلُ ابنتينِ لها، فأطعمتُها ثلاثَ تمراتٍ، فأعطتْ كلَّ واحدةٍ منهما تمرةً، ورَفَعَت إلى فِيها تمرةً؛ لتأكُلَها، فاستطعمتْها ابنتاها، فشقَّتِ التَّمرةَ التي كانت تريدُ أن تأكُلَها بينهما، فأعجبني شأنُها، فذكرتُ الذي صنَعَتْ لرسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال: إنَّ اللهَ قد أوجَبَ لها بها الجنَّةَ، أو أعتَقَها بها مِنَ النَّارِ».
وعن عَدِيِّ بن حاتمٍ الطائيِّ قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: «ما منكم من أحدٍ إلا وسيُكَلِّمه اللهُ يومَ القيامةِ، ليس بينَ اللهِ وبينه تَرجمانٌ، ثمَّ ينظُرُ فلا يرى شيئاً قُدَّامَه، ثم ينظُرُ فتستقبلُه النَّارُ؛ فمَن استطاعَ منكم أن يتَّقِيَ النَّارَ ولو بشِقِّ تمرةٍ».
وعن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه قال: قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «سبعةٌ يُظِلُّهم اللهُ في ظِلِّه يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه»، وذكرَ منهم: «… ورجلٌ تصَدَّقَ بصدقةٍ فأخفاها؛ حتى لا تعلمَ شِمالُه ما تُنفِقُ يَمينُه».
إنَّ الصَّدقةَ تجلبُ البركةَ والزيادةَ والخَلَفَ مِن الله تعالى:
قال اللهُ سبحانه: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ: 39].
وعن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه، عن رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «ما نقَصتْ صدقةٌ من مالٍ، وما زاد اللهُ عبداً بعفوٍ إلا عزّاً، وما تواضعَ أحدٌ للهِ إلا رفَعَه».
وعن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: «ما من يومٍ يُصبحُ العبادُ فيه إلا مَلَكانِ ينزلانِ، فيقولُ أحدُهما: اللهمَّ أعطِ مُنفقاً خَلَفاً، ويقول الآخَرُ: اللهمَّ أعطِ مُمسكاً تَلَفاً».
(أنَّه يترتَّبُ عليها الأجرُ العظيمُ)
1- قال الله تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} [البقرة: 276].
2- وقال اللهُ تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261].
3- وعن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَن تصدَّق بعَدلِ تَمرةٍ، مِن كسْبٍ طيِّبٍ -ولا يَقبَلُ اللهُ إلا الطيِّبَ- فإنَّ اللهَ يتقبَّلها بِيَمينِه، ثم يُرَبِّيها لصاحِبِها كما يُرَبِّي أحَدُكُم فَلُوَّه، حتى تكونَ مثلَ الجبلِ».
4- وعن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ قال: جاء رجلٌ بناقةٍ مَخطومةٍ، فقال: هذه في سبيلِ اللهِ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: «لك بها يومَ القيامةِ سَبْعُمئةِ ناقةٍ كُلُّها مَخطومةٌ».
(الصدقةُ شعارُ المتقين، ولواءُ الصالحين المصلحين)؛ زكاةٌ للنفوس، ونماءٌ في المال، وطُهرةٌ للبدن، ومرضاةٌ للرب، بها تُدفع عن الأمة البلايا والرزايا، تُطهر القلوب من أدران التعلق بهذه الدنيا وشهواتها وملذاتها؛ قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [التوبة: 103].
وفي مضمارِ سباقٍ إلى رضا الله تعالى، قال عمرُ رضي الله عنه: «أمرَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنْ نتصدقَ، فوافقَ ذلك عندي مالاً فقلتُ: اليومَ أسبقُ أبا بكرٍ إن سَبقتُهُ يوماً. قال: فجئتُ بنصفِ مالي، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ما أبقيتَ لأهلِكَ؟ قلتُ مثلهُ، وأتى أبو بكرٍ بكُلِّ ما عنده، فقال: يا أبا بكرٍ، ما أبقيتَ لأهلِكَ؟ فقال: أبقيتُ لهمُ اللهَ ورسولَهُ، قلتُ: لا أسبِقُهُ إلى شيءٍ أبداً».
إنه عُمق الإيمان، وصدق اليقين بالله، وإخلاص التوكل عليه، والشعور بجسد الأمة الواحد، وإلا ما الذي يدفع الصديق أن يخرج بماله كله، وعمر بنصف ماله؟!
روى الترمذي وقال: حسن صحيح، وأحمد وبعضه في مسلم، عن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ثلاثةٌ أُقسم عليهنَّ وأُحدثكم حديثاً فاحفظوه: ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظُلم عبدٌ مظلمة فصبر عليها، إلا زاده الله عز وجل بها عزّاً، ولا فتح عبدٌ باب مسألة، إلا فتح الله عليه باب فقر. وأحدثكم حديثاً فاحفظوه، قال: إنما الدنيا لأربعة نفر: عبدٌ رزقه الله عز وجل مالاً وعلماً، فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله عز وجل فيه حقاً، فهذا بأفضل المنازل. وعبدٌ رزقه الله عز وجل علماً ولم يرزقه مالاً، فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالاً لعملت به بعمل فلان فهو بنيته، فأجرهما سواء. وعبدٌ رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً، فهو يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه عز وجل ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله فيه حقّاً، فهذا بأخبث المنازل. وعبدٌ لم يرزقه الله مالاً ولا علماً، فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، فوزرهما فيه سواء».
أخي العاقل، لا تبخل بحق الله في مالك، فهو الواهبُ وهو المانحُ، فإن مَنعتَ مُنِعْتَ، فأي المنعَيْن أشد؟! فإن لله في كل نعمة حقاً، فمن أدَّاه زاده منها، ومن قصَّر عنه خاطر بزوال نعمته.
أين المتاجرون بالبذل والإنفاق؟ أين المتاجرون بدفع الزكوات؟ أين الذين يتاجرون في هذا كله مع الله؟ وهل يخسر تاجر يتاجر في تجارة مع الواسع العليم القائل: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261].
إن مفهوم الصدقة ينبغي أن يحيا فينا، فيتبوأ مكاناً علياً، ويتصدر فهمنا، ويحكم سلوكنا، ويتوج عرش قلوبنا، حتى نتخلَّص من شُحِّ نفوسنا وسوء ظننا؛ قال الله تعالى آمراً نبيه: {قُلْ لِعبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ} [إبراهيم: 31]. وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [البقرة: 267].



