أخبار

 اللواء أشرف عبد العزيز: «الأوكتاجون» نقلة استراتيجية في مفهوم الأمن القومي المصرى

متابعة/ مروان محمد

في عالم لم تعد فيه القوة العسكرية تقاس فقط بعدد الجنود أو حجم الترسانة التسليحية، بل أصبحت تُقاس بقدرة الدولة على إدارة المعلومات، واتخاذ القرار في الوقت المناسب، والتعامل مع التهديدات التقليدية وغير التقليدية، تواصل الدولة المصرية ترسيخ مفهومها الحديث للأمن القومي من خلال إنشاء مقر القيادة الاستراتيجية الجديدة للقوات المسلحة المصرية «الأوكتاجون» بالعاصمة الإدارية الجديدة، الذي يمثل إحدى أبرز منظومات القيادة والسيطرة العسكرية في المنطقة.

ويرى الخبير الأمني والاستراتيجي اللواء أشرف عبد العزيز أن «الأوكتاجون» ليس مجرد مقر عسكري حديث، وإنما يعكس تحولًا استراتيجيًا في فلسفة إدارة الأمن القومي المصري، ويجسد رؤية الدولة في بناء منظومة قيادة متطورة تستوعب طبيعة حروب المستقبل، التي تعتمد على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والمعلومات أكثر من اعتمادها على المواجهات العسكرية التقليدية.

وقال اللواء أشرف عبد العزيز إن الحروب الحديثة لم تعد تبدأ بإطلاق الرصاص، وإنما تبدأ باختراق شبكة معلومات، أو تعطيل منظومة اتصالات، أو شن هجوم سيبراني، أو إدارة حملات تضليل تستهدف التأثير على الرأي العام وإرباك مؤسسات الدولة، وهو ما يفرض وجود مركز قيادة قادر على إدارة جميع هذه التحديات في وقت واحد.

وأضاف أن «الأوكتاجون» يمثل نقلة نوعية في مفهوم القيادة العسكرية الحديثة، حيث يعتمد على أحدث نظم القيادة والسيطرة والاتصالات المؤمنة، ويتيح الربط الفوري بين مختلف أفرع القوات المسلحة، بما يحقق سرعة تبادل المعلومات ودقة التقدير وسرعة اتخاذ القرار، وهي عناصر أصبحت اليوم أحد أهم أسلحة الردع الاستراتيجي.

وأوضح أن اختيار التصميم الهندسي الثماني (Octagon) لم يكن قرارًا معماريًا فحسب، بل يحمل دلالات استراتيجية، تعكس القدرة على المتابعة والسيطرة على مختلف الاتجاهات والمحاور الاستراتيجية في آن واحد، بما يعزز من كفاءة القيادة والسيطرة في مختلف السيناريوهات العملياتية.

وأشار إلى أن القيمة الحقيقية لهذا الصرح لا تكمن في حجمه أو تصميمه، وإنما في منظومة العمل التي يقوم عليها، والتي تعتمد على التكامل بين التكنولوجيا المتقدمة، وشبكات الاتصالات المؤمنة، وأنظمة إدارة البيانات، ومراكز القيادة والسيطرة، بما يسمح باتخاذ القرار في ثوانٍ معدودة عند التعامل مع أي تهديد داخلي أو خارجي.

حروب المستقبل تبدأ من الفضاء السيبراني

وفي السياق ذاته، أكدت الدكتورة إيناس عبد العزيز، خبيرة الأمن الرقمي، أن الأمن السيبراني أصبح أحد أهم أركان الأمن القومي في العصر الحديث، مشيرة إلى أن أخطر الحروب لم تعد تستهدف الحدود فقط، بل أصبحت تستهدف العقول، والبيانات، وشبكات الاتصالات، والبنية التحتية الرقمية للدول.

وأضافت أن مراكز القيادة الحديثة لا تُقاس فقط بحجم منشآتها، وإنما بقدرتها على حماية البيانات الحساسة، وتأمين منظومات القيادة والسيطرة، واكتشاف الهجمات الإلكترونية قبل وقوعها أو الحد من آثارها، وهو ما يجعل الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة عنصرين أساسيين في بناء منظومة دفاع رقمي متكاملة.

وأوضحت أن تكامل الأمن السيبراني مع منظومات القيادة العسكرية يوفر لصانع القرار رؤية لحظية للموقف، ويضمن استمرارية عمل مؤسسات الدولة حتى في ظل الهجمات الإلكترونية واسعة النطاق، وهو ما يمثل أحد أهم معايير القوة في القرن الحادي والعشرين.

رسالة استراتيجية تتجاوز البعد العسكري

وأكد اللواء أشرف عبد العزيز أن «الأوكتاجون» يمثل رسالة استراتيجية تؤكد أن الدولة المصرية تواصل تطوير قدراتها الدفاعية وفق رؤية بعيدة المدى، تستند إلى الدمج بين التكنولوجيا الحديثة والفكر العسكري المتطور، بما يعزز قدرة الدولة على حماية أمنها القومي والتعامل مع مختلف التحديات الإقليمية والدولية.

وأشار إلى أن المقارنات التي تُطرح بين «الأوكتاجون» وبعض مقرات القيادة العسكرية العالمية تعكس حجم الاهتمام بهذا المشروع، إلا أن القيمة الحقيقية تكمن فيما يوفره من تكامل في القيادة والسيطرة والربط المعلوماتي، بما يواكب أحدث المفاهيم العسكرية العالمية.

وأضاف أن امتلاك منظومة قيادة استراتيجية متطورة يمنح الدولة قدرة أكبر على إدارة الأزمات، والتنسيق بين مختلف مؤسساتها، ودعم متخذ القرار بالمعلومات الدقيقة في الوقت المناسب، وهو ما يمثل أحد أهم عناصر القوة الشاملة للدول الحديثة.

الجمهورية الجديدة تبني قوة المستقبل

واختتم اللواء أشرف عبد العزيز تصريحاته مؤكدًا أن بناء «الأوكتاجون» يعكس فلسفة الجمهورية الجديدة في الاستثمار في الإنسان والتكنولوجيا والمؤسسات، وأن الدولة المصرية لا تكتفي بتطوير قدراتها العسكرية، بل تعمل على بناء منظومة متكاملة تجمع بين الأمن التقليدي، والأمن الرقمي، والقدرة على إدارة الأزمات وفق أحدث المعايير العالمية.

وأكد أن قوة الدول في المستقبل لن تُقاس فقط بما تمتلكه من أسلحة، بل بامتلاكها عقلًا استراتيجيًا قادرًا على استيعاب المتغيرات، وتحليل المعلومات، وإدارة الصراعات المعقدة، وهو ما يجعل «الأوكتاجون» أحد أبرز رموز التطور المؤسسي والاستراتيجي للدولة المصرية في القرن الحادي والعشرين

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!