أخباردين

عليكم بصدقات سقي الماء!!!

بقلم: د. ياسر جعفر

سقي الماء من الأعمال عظيمة القدر!! ومن الأعمال التي تكون سبباً في دخول صاحبها الجنة!! وسقي الماء له عدة طرق منها: حفر الآبار في المناطق التي لا يوجد بها ماء، سواء بالدول العربية أو الإفريقية؛ نعم هناك قرى محتاجة للماء!؟ وأيضاً ثلاجات المياه الباردة في الطرقات التي لا يوجد بها ماء!! وبجوار المساجد وعلى مشارف الأراضي الزراعية!! وعلى الطرق الصحراوية!! .

وأيضاً لا ننسى الحيوانات الضالة كالكلاب والقطط!! نعم، يجب توفير الماء لهم بجوانب الشوارع وبجوار المنازل والعمارات في أوانٍ فخارية، فهذا من أبواب الرحمة!؟ وأيضاً وأنت ماشٍ بسيارتك، اعمل حسابك أن يكون معك زجاجات مياه بزيادة للمحتاجين من المتسولين ومن عمال النظافة ولمن يحتاج إلى مياه الشرب!؟

اترك البخل وادخل عليك صفة الكرم، واترك الدنيا وانظر للآخرة! فصدقات سقي الماء ربما تخرج صاحبها من هموم وأحزان كبيرة!؟ وربما تخرج صاحبها من مشاكل ليس لها حل!؟ وربما تخرج صاحبها من أمراض مزمنة ليس لها علاج!؟

ففي الحديث: (يا رسولَ اللهِ! إنَّ أمي ماتت، أفأتصدقُ عنها؟ قال: نعم. قلتُ: فأيُّ الصدقةِ أفضلُ؟ قال: سقْيُ الماءِ).
[الراوي: سعد بن عبادة | المحدث: الألباني | المصدر: صحيح النسائي | الصفحة أو الرقم: 3666 | خلاصة حكم المحدث: حسن].

وفي رواية: (أنَّ أُمَّهُ ماتت، فقال: يا رسولَ اللهِ! إنَّ أمي ماتت، أفأتصدقُ عنها؟ قال: نعم. قال: فأيُّ الصدقةِ أفضلُ؟ قال: سقْيُ الماءِ. فتلك سقايةُ سعدٍ بالمدينةِ).
[الراوي: سعد بن عبادة | المحدث: الألباني | المصدر: صحيح النسائي | الصفحة أو الرقم: 3668 | خلاصة حكم المحدث: حسن لغيره].

يوضح الحديث أنَّ أفضل الصدقات للميت هي الصدقة الجارية التي يستمر نفعها للناس. ويُروى عن سعد بن عبادة رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة أمه: “يا رسولَ اللهِ، إنَّ أمِّي ماتَت؛ أفأتصَدَّقُ عنها؟”، فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم: “نعَم”. فسأله سعد: “فأيُّ الصَّدقَةِ أفضَلُ؟”، فأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن أفضل الصدقات هي “سَقْيُ الماءِ”، ويمكن أن يكون ذلك بحفر بئر أو توفير مياه الشرب للناس.

وفي روايةٍ: “فنَصَب سَعْدٌ سِقايتَين بالمدينَةِ”، قال الحسَنُ: “فتِلك سِقايةُ سَعدٍ بالمدينَةِ”، وفي هذا إشارةٌ إلى إنفاذِه أمرَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم وما نصَحَه به في أَمرِ الصَّدقةِ وأفضَلِها. وفي الحديثِ: الحَثُّ على بَذلِ الصَّدقةِ للأمواتِ.

وفيه: الحثُّ على الاجتهادِ في عمَلِ أفضَلِ الصَّدقاتِ وما تَدعو إليه الحاجَةُ والأنفَعُ للنَّاسِ في كلِّ زمانٍ !! من افضل الأعمال !! هو سقي الماء، فتبريد الأكباد، وإطفاء حرارة الظمآن من أعظم الأبواب التي تقود إلى الجنان، ومن أسباب تكفير الآثام، وهو باب عظيم لإذهاب الأسقام، وبه تكون الصدقة جارية عن النفس والْوَالِدَيْنِ والْوِلْدَان.

هذا فضل سقي الماء، وتبريد الأكباد، بل إن أعظم ما ذكره الله في وصف الجنة إجراءُ الأنهار التي منها السِّقَاء والتلذذ، والشرب والإطعام، { *مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى*} بل إن الله عز وجل عذَّب أهل النار بحرمانهم من الماء، { وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ*}، قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره: ( *وفي هذه الآية دليل على أن سقي الماء من أفضل الأعمال)، وقد قال بعض التابعين: من كثرة ذنوبه فعليه بسقي الماء .

روى أبو داوود أن سعدا بن عبادة رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أي الصدقة أعجب إليك؟ قال “الماء” وفي رواية فحفر بئراً فقال : “هذه لأم سعد” .

وعن أنس رضي الله عنه قال: قال سعد: “يا رسول الله، إن أم سعد كانت تحب الصدقة، أفينفعها أن أتصدق عنها؟ قال: نعم، وعليك بالماء، وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر سعد بن عبادة أن يسقي عنها الماء”. فدل على أن سقي الماء من أعظم القربات عند الله تعالى .

وقد سُئل ابن عباس: أي الصدقة أفضل؟ قال: “الماء، ألم تروا إلى أهل النار حين استغاثوا بأهل الجنة: {أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ}؟”.

ففي مشهدٍ تعلوه الرحمة، وتكسوه الشفقة، ويُجلله البر بجلبابه الفضفاض، ويختمره الإحسان بدثاره الرقراق؛ في مشهدٍ لرجل يجرُّ الخُطى في الصحراء قد اشتد به عطشه، وتقرَّحت منه كبده، وبلغ به الظمأُ مبلغه، وهو يسير يتلمظ الماء، ويبحث عن السِقَاء، فإذا هو ببئرٍ في الصحراء فابتدرها ابتدار السَّبُع، فنزل فيها وشرب حتى ارتوى، فذاق العُذُوْبَة، وتلذذ بالماء.

وعندما أذهب الله ظمأه، وأشفى غليله خرج من البئر وهو يتذوق طعم الحياة، وكأنه لن يموت، فخرج وهو ينظر للحياة بنظرة أخرى قبل نزوله للبئر. وعندما كان يُقلب طرفه في الفضاء إذ بكلبٍ يَلْهَثُ الثَّرَى مِنَ شدة الْعَطَشِ، فبلغ به العطش أن أخذ يأكل التراب بحثًا عن الماء، فَتَأمَّل هذا الرجل في هذا المشهد، وقال: “لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي”.

ومع أن الكلب دابة نجسة الريق، لكنها خلق من خلق الله عز وجل ذات كبد رطبة، فرجع إلى البئر، ولكنه لم يجد ما يجعل الماء فيه، فهداه الله لِخُفِّه فملأه، وجاء إلى الكلب ثُمَّ سَقَاه، فشرب الكلب وهو يسابق نفسه. وفي هذا المشهد الذي تجللت فيه معاني الرحمة في أسمى صورها -فيكون الجزاء من جنس العمل- هنا تجلت رحمة الرحيم الرحمن، اللطيف الجليل، الذي يرى كل شيء، ويسمع كل شيء، ولا يخفى عليه شيء، فشكر سبحانه صنيع هذا الرجل، فرضي عنه، فغفر له ورحمه؛ يقول صلى الله عليه وسلم: «بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي فَمَلأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟! قَالَ: فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» (متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أخرجه البخاري ومسلم).

بل الأعجب من هذا ما جاء في الصحيحين من أن امرأةً زانية سقت كلبًا فغفر الله لها، يقول صلى الله عليه وسلم: «بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ –أي: يدور حول بئر- قَدْ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ؛ إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَهَا –أي: خُفّها- فَاسْتَقَتْ لَهُ بِهِ فَسَقَتْهُ إِيَّاهُ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ» (أخرجه البخاري ومسلم).

عباد الله.. إنَّ عمل البر تزداد مرتبته وأجره إذا زادت الحاجة إليه، ولا شك أن سقيا الماء في الحر من أعظم أعمال البر، قال القرطبي في تفسيره: قال بعض التابعين: “من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء”. ألا وإن من فضائل سقي الماء على الظمأ أن يكون جزاؤه أن يسقيه الله من الرحيق المختوم في الجنة، يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الحسن: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ سَقَى مُسْلِمًا عَلَى ظَمَأ سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ» [أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي].

فيا أيها الراغب في البر والأجر، وبذل المعروف والخير، سابق إلى الصدقات الجارية عن الآباء والأمهات، والبنين والبنات، والأنفس والذوات، واعلم أن من أعظم الصدقات: سقي الماء وإجراؤه. وإن من فوائد سقي الماء أنَّه سببٌ لعلاج الأمراض وشفاء الأسقام -بإذنه سبحانه- يقول ابن شقيق: “سمعت ابن المبارك وسأله رجل عن قرحةٍ خرجت في ركبته منذ سَبْعِ سنين، وقد عالجها بأنواع العلاج، وسأل الأطباء فلم ينتفع بما أعطوه، فقال له ابن المبارك: اذهب فاحفر بئرًا في مكان يحتاج الناس فيه إلى الماء، فإني أرجو أن ينبع هناك عين ويمسك عنك الدم، ففعل الرجل فبرأ بإذن الله” [أخرجها البيهقي في الشعب]. فقد كان سقي الماء من هذا الرجل سببًا لشفائه بعد إذن الله سبحانه وتعالى.

وعلى المسلم أن يحذر أشد الحذر من البخل بسقي الماء، أو منعه عمن يحتاجه، أو حبس فضل الماء عن زرع غيره، فإن فعل فإنه إذن من الآثمين، الموعود بغضب رب العالمين، والمطرود من رحمته التي وسعت كل شيء، يقول صلى الله عليه وسلم: «ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ -وذكر منهم- وَرَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ فَمَنَعَهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ» [رواه البخاري].

فلنستغل مثل هذه الفرص الخيرة في يوم الجمعة وغيره من الأيام والناس بالمسجد بوضع كرتون ماء مبرد وقت نزول المصلين في شدة الحر، أو وقت صلاة الظهر والعصر، أو عند محطات البنزين وللعمال بالشوارع؛ فهناك عمال النظافة فهم ضعفاء مساكين.

وَمِنْ حُجَجِ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِي إِفْرَادِ اللهِ -تَعَالَى- بِالْعِبَادَةِ: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء: 79]، وَدَعَا الْخَلِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- لِأَهْلِ مَكَّةَ بِالْبَرَكَةِ فِي المَاءِ، وَشَرَطَتْ هَاجَرُ -عَلَيْهَا السَّلَامُ- عَلَى جُرْهُمَ لمَّا سَاكَنُوهَا أَنْ لَا حَقَّ لَهُمْ فِي الْمَاءِ؛ لِأَنَّ زَمْزَمَ نَبَعَتْ بِسَبَبِهَا وَوَلَدِهَا. فَلَوْلَا أَهَمِّيَّةُ شُرْبِ المَاءِ فِي حَيَاةِ النَّاسِ، وَلَذَّتُهُمْ بِهِ حَالَ الْعَطَشِ؛ لَمَا ذَكَرَ اللهُ -تَعَالَى- أَنْهَارَ الْجَنَّةِ وَوَصَفَهَا؛ وَلَمَا ذَكَرَهَا الْخَلِيلُ فِي وَصِيَّتِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ؛ وَلَمَا دَعَا لِأَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يُبَارَكَ فِي مَائِهِمْ؛ وَلَمَا شَرَطَتْ هَاجَرُ أَنَّ المَاءَ لَهَا؛ وَلَمَا ذَكَرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَوْصَافَ حَوْضِهِ فِي المَوْقِفِ الْعَظِيمِ؛ وَلَمَا خُصَّ الصَّائِمُونَ الظَّامِئُونَ بِبَابِ الرَّيَّانِ فِي الْجَنَّةِ.

زر الذهاب إلى الأعلى