
بقلم: د. ياسر جعفر

نعم، الأخذ بالأسباب وقاية من المصائب والكوارث والوقوع في قاع الندم، وساعتها تقول: “تفيد بإيه يا ندم؟ وتعمل إيه يا عتاب؟”. سيخرج لنا ناس من أرباب “العبط والهبل” ويقولون: “توكل على الله، كل شيء بأمره سواء أخذت بالأسباب أو لم تأخذ!”. طبعاً كل شيء بأمر الله، ولكن الذي أمرنا أن نأخذ بالأسباب هو الله سبحانه وتعالى.
ينبغي على الإنسان أن يستعمل عقله بالحكمة في اتخاذ القرارات، ولا يستعجل، ويأخذ بجميع الأسباب؛ فهذا أمر شرعي. واضرب بعرض الحائط أي كلام ينافي الأخذ بالأسباب؛ فمثلاً إذا طلب منك شخص مبلغاً من المال، ينبغي أن تأخذ بالأسباب وتوثق هذا المبلغ، فهذا أمر شرعي في كتاب الله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا… ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: 282].
هذا (أقسط) أي أعدل عند الله؛ طيب، إذا “اتدروشت” وقلت: “يا عم النية صافية ومش هكتب”، فأنت كدا استعملت أسلوب العبط والهبل، ولن ترى أموالك، ولو أعادها لك سيذلك! فينبغي على الإنسان أن يأخذ حذره، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: 71].”
“يأمر الله تعالى عبادَه المؤمنين بأخذِ الحذر من عدوِّهم، وهذا يستلزم التأهُّب لهم بإعداد الأسلحة والعُدد، وتكثير العَدد بالنفير في سبيل الله. فحينما أدخل في حرب مع العدو ينبغي أن آخذ بالأسباب بجميع أنواع الأسلحة؛ فهل من العقل أن أدخل في حرب وليس معي السلاح؟! .
قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 60].
شرح الآية:
﴿وأعدوا لهم﴾: أي خذوا العُدَّة لعدوِّكم.
﴿ما استطعتم من قوة﴾: مما تتقوون به على حربهم من السِّلاح والقسي وغيرهما.
﴿ومن رباط الخيل﴾: مما يرتبط من الفرس في سبيل الله.
﴿ترهبون به﴾: تخوِّفون به بما استطعتم.
﴿عدو الله وعدوكم﴾: مشركي مكَّة وكفَّار العرب.
﴿وآخرين من دونهم﴾: وهم المنافقون.
﴿لا تعلمونهم الله يعلمهم﴾: لأنهم معكم يقولون “لا إله إلا الله” ويغزون معكم، والمنافق يريبه عدد المسلمين.
﴿وما تنفقوا من شيء﴾: من آلة وسلاح وصفراء وبيضاء (ذهب وفضة).
﴿في سبيل الله﴾: طاعة الله.
﴿يوف إليكم﴾: يخلف لكم في العاجل ويوفَّر لكم أجره في الآخرة.
﴿وأنتم لا تظلمون﴾: لا تنقصون من الثواب.
وفي الحديث الذي رواه عقبة بن عامر رضي الله عنه: سمعتُ رسول الله ﷺ وهو على المنبر يقول: «﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، ألا إنَّ القوَّةَ الرَّمْيُ، ألا إنَّ القوَّةَ الرَّمْيُ، ألا إنَّ القوَّةَ الرَّمْيُ» [رواه مسلم].
إن الإعداد للجهاد بكل ما يستطيع المسلم من الأمور التي حضَّ عليها الشرع الحنيف؛ صيانة للأمة، ونشراً للإسلام والعدل، وحماية للدين والعرض.”
“وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ عُقبةُ بنُ عامرٍ رضي الله عنه أنَّه سَمِع النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو على المِنبرِ يقرأ قول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]. وهو أمرٌ من الله تعالى للمسلمين بأن يُجهِّزوا ويُعدُّوا ما قَدَروا على إعدادِه من العَدَدِ والعُدَّةِ للعدوِّ، ويشملُ ذلك ما يُناسبُ كلَّ زمانٍ ومكانٍ.
لقد جاءت كلمة «قوَّةٍ» في الآية مُبهَمةً، ففسَّرها النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وبيَّن أنَّ القوَّةَ المذكورة في كتاب الله المُراد بها الرَّميُ؛ وخصَّ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الرَّميَ بالذكر -رغم أنَّ الجهادَ يحتاجُ إلى إعداد أمور أخرى مثل السيف والرُّمح وركوب الخيل- لأنه يحتاج إلى ممارسة دائمة وتدريب مستمر، ولأنه أكثر نكاية في العدو وأسرع وصولاً إليه، مع حفظِه للمسلمين والدفاع عنهم من بعيد.
وإنَّما يكونُ تعلُّمُ الرَّميِ المأمورِ به في الحديثِ في كلِّ زمانٍ على حسَبِ ما هو موجودٌ فيه من أدواتِ الرَّميِ؛ فيتعلَّمُ الرَّميَ بالسهامِ في زمنِه، ويتعلَّمُ الرَّميَ بالرصاصِ والقنابلِ والصواريخِ ونحوها في زماننا، وكلِّ ما يُستحدثُ من آلات الرَّمي والقِتال في كلِّ زمانٍ ومكانٍ. وكرَّر ﷺ ذلك تأكيداً على هذا المعنى وبياناً لأهمية الرَّمي.
وفي الحديث فوائد جليلة:
الحضُّ على تعلُّمِ الرَّميِ وفنونه.
الحضُّ على إعداد العُدَّة للجهاد قدْرَ الاستطاعة.”
“قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: 105]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: 15].
ولقد أخبرنا القرآن الكريم أنَّ الله تعالى طلب من مريم -عليها السلام- أن تباشر الأسباب وهي في أشدِّ حالات ضعفها، فقال تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: 25]؛ مع ظهور أن فعل هذا السبب وحده قد لا يأتي بالثمر لضعفها وقوة الجذع، ولكنه ترسيخٌ لمبدأ الأخذ بالأسباب.
وهكذا يؤكِّد الله تعالى على ضرورة مباشرة الأسباب في كلِّ الأمور والأحوال. ورسولُ الله ﷺ كان أوعى النَّاس بهذه السُّنَّة الرَّبانيَّة؛ فكان -وهو يؤسِّس لبناء الدَّولة الإسلامية- يأخذ بكلِّ ما في وسعه من أسباب، ولا يترك شيئاً يسير جزافاً ولا عشوائياً.
إن التَّوكُّل على الله تعالى لا يمنع من الأخذ بالأسباب؛ فالمؤمن يتَّخذ الأسباب من باب الإيمان بالله وطاعته فيما يأمر به، ولكنَّه لا يجعل الأسباب هي الَّتي تنشئ النَّتائج فيتوكَّل عليها (بل يتوكل على مسبب الأسباب).
ولقد قرَّر النَّبيُّ ﷺ في أحاديث كثيرةٍ ضرورة الأخذ بالأسباب مع التَّوكُّل، ونَبَّهَ على عدم تعارضهما؛ فعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه: أنَّ رجلاً وقف بناقته على باب المسجد وهمَّ بالدُّخول، فقال: “يا رسول الله! أُرسلُ راحلتي وأتوكل؟”؛ وكأنه كان يفهم أن الأخذ بالأسباب ينافي التَّوكُّل، فوجَّهه النَّبيُّ ﷺ إلى أنَّ مباشرة الأسباب أمرٌ لازم، فقال له: «اعقلها وتوكل».”
“الأخذ بالأسباب مطلوبٌ، ولا ينافي –بحالٍ من الأحوال– التوكُّل على الله تعالى ما صدقت النية، فقال له ﷺ: «بل قيِّدها وتوكَّل» [مستدرك الحاكم]، وفي لفظ آخر: «اعقلها وتوكل» [رواه الترمذي].
وهذا الحديث يبين أنه لا تعارض بين التوكُّل والأخذ بالأسباب بشرط عدم الاعتقاد في الأسباب وحدها أو الاعتماد عليها ونسيان مسببها. فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ قال: «لو أنكم توكَّلتم على الله حـقَّ توكُّله؛ لرزقكم كما يرزق الطَّير، تغدو خِماصاً، وتروح بِطاناً» [رواه الترمذي وابن ماجه]. وفي هذا الحديث حثٌّ على التوكُّل مع الإشارة لأهمية السعي؛ حيث أثبت (الغدوَّ والرَّواح) للطير مع ضمان الله الرزق لها.
يقرر الإسلام مبدأ الأخذ بالأسباب؛ لأن تعطيلها تعطيلٌ للشرع ولمصالح الدنيا، لكن الاعتماد عليها وحدها مع ترك التوكل شركٌ؛ فالمؤمن يربط بين اتخاذ السبب والتوحيد، معتقداً أن أمر الأسباب كلها بيد الله.
وأيضاً، الأخذ بأسباب العلاج والتداوي أمرٌ شرعي للحفاظ على صحة الإنسان من الهلاك، ووقاية من تمكن المرض من الجسم؛ ففي الحديث الذي رواه أسامة بن شريك رضي الله عنه: شهدتُ الأعراب يسألون النبي ﷺ: “أعلينا حرج في كذا؟”، فقال لهم: «عبادَ اللهِ وضعَ اللهُ الحرجَ إلَّا منِ اقترضَ من عرضِ أخيهِ شيئًا فذاكَ الَّذي حُرِجَ». فقالوا: “يا رسول الله هل علينا جناح أن لا نتداوى؟”، قال: «تداوَوا عبادَ اللهِ، فإنَّ اللهَ سبحانه لم يضع داءً إلَّا وضعَ معه شفاءً إلَّا الهرمَ». قالوا: “يا رسول الله ما خير ما أعطي العبد؟”، قال: «خُلُقٌ حسنٌ» [صحيح ابن ماجه].”
“وفي قصة أم موسى عبرة إيمانية، وفيها الأخذ بالأسباب؛ فقبل أن تُلقيه في اليم، أرضعيه أولاً، خذي بالأسباب حتى لا يتعرض للجوع والضرر. تأمل قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: 7].
فالله تعالى أوجد الأشياء وهيأ لها أسبابها، فمن أخذ بالأسباب مكنه الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: 84-85]. لقد جعل الله تعالى الكون بقدرته، وجعل الأسباب والمسببات بعد إرادته سبحانه هي سنن جارية في الكون.
فالله تعالى لا يحتاج إلى الأسباب لأنه مسببها وموجدها، ومع ذلك نرى أنه يرتب الأشياء على أسبابها في أفعاله تعالى؛ فالجبال لاستقرار الأرض، والماء والهواء سبب للحياة. قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ [ق: 6-8].
وجعل الرياح سبباً من أسباب نزول المطر، فقال جل ذكره: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ﴾ [الأعراف: 57]. وجعل الماء سر الحياة ومنبع الإحياء، فقال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: 30]. وفي مجال طلب الرزق، يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِليهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: 15]؛ فهذا أمر صريح بالمشي والسعي في مناكب الأرض.”
“وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَعُوا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9-10]؛ فهذا هو شأن المسلم: عمل وبيع قبل الصلاة، وسعي وانتشار في الأرض بعد الصلاة.
ويأمر الله بالصلاة المعروفة باسم “صلاة الخوف” في الحرب، فيدعو إلى تقسيم المقاتلين إلى قسمين: قسم يُصلِّي وراء الإمام، وقسم في مواجهة العدو، ويُوصي بأخذ الحذر والسلاح؛ حتى لا ينتهز العدو فرصة اشتغالهم بالصلاة فيميل عليهم ميلة واحدة. يقول تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ۗ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتَعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً…﴾ [النساء: 102].
ونبي الله نوح -عليه السلام- لما أخبره الله تعالى أنهم مُغرقون، قام بما ينجيه وقومه من الغرق؛ فها هو يصنع الفلك كما أمره الله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: 37]؛ لتكون أداة الإنقاذ له ولمن آمن معه إذا جاء الطوفان. وكان في قُدرة الله أن يحجز الماء عنه وعمن معه، أو يحملهم فوق الماء بغير سفينة، ولكن الله أراد أن يُعلِّمنا أن قدرته تعمل من خلال الأسباب التي أوجدها أيضاً. قال تعالى عن نوح: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر: 10-14].”
“نبي الله يعقوب عليه السلام: لما أخبره يوسف عليه السلام برؤياه، أمره أن يأخذ بأسباب الحيطة والحذر وألا يخبر إخوته بها: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: 5]. ويخشى عليهم من الحسد فيأمرهم أن يدخلوا متفرقين، فيوصيهم قائلاً: ﴿يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ۖ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۖ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: 67]. وسواء أكان يخشى عليهم العَيْن أو أمراً آخر، فقد أعطى الأسباب حقها وترك النتائج لله تعالى.
نبي الله يوسف عليه السلام: كان الأخذ بالأسباب سبباً في النجاة من مجاعة محققة؛ ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: 47-49].
كليم الله موسى عليه السلام: في رحلة العودة إلى مصر وفي ليلة مظلمة، يبحث نبي الله عن أسباب الهداية والدلالة إلى الطريق، فقال لأهله: ﴿امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [القصص: 29].
وهناك من الأمثلة الكثير؛ فالطالب الذي يريد التفوق ينبغي أن يأخذ بأسباب الاجتهاد والتركيز، ومن أراد النجاة في الماء فعليه بأسباب السباحة وتعلّمها. لقد أنعم الله سبحانه وتعالى علينا بنعمة العقل لنميز بها ونأخذ بالأسباب في جميع نواحي الحياة.”





