دين

الاعتصام قوة!

بقلم: د. ياسر جعفر

قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}.

أمر اللهُ -سبحانه وتعالى- عبادَه المؤمنين في هذه الآية الكريمة بالاعتصام بحبله المتين القوي، وهو التمسك بكتابه العزيز، ونهاهم عن التفرق في الأعمال الشرعية الظاهرة والاعتقادات الصحيحة الباطنة؛ تفرقاً لا تُحمَد له عاقبة ولا تكون له ثمرة صالحة، وقد أرشدهم إلى ما يكفل لهم السعادة وينالون به أعلى مراتب العز والشرف والسيادة، وهو إقامة الدين الذي شرعه لعباده وارتضاه على لسان رسوله، وأمرهم بالاعتصام به والأخذ بما دلَّ عليه من أمرٍ ونهيٍ وقبولِ ذلك بالرضا والتسليم، فبذلك يكونون معتصمين بحبل الله، آخذين بأقوى الأسباب التي تقربهم إلى ربهم.

وقد شرع الله لعباده من فرائض الدين ما يكون سبباً للتعارف بينهم واجتماع الكلمة والاتفاق، والأعمال والأقوال التي شرعها وأمر عباده بالتزامها ورضيها لهم؛ كالصلوات الخمس والجمعة والعيدين وحج بيت الله الذي أوجبه على كل مكلف مستطيع، كما قال تعالى: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}.

قال بعض المفسرين: إن الله جعل {وَمَن كَفَرَ} موضع “لم يحج”، ففيه نهي شديد وزجر بليغ لمن ترك المسير إلى الحج بعد توفر أسبابه، ولهذا رغب النبي -عليه الصلاة والسلام- في الحج والمبادرة إليه بقوله: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ».

فإذا كان الحج والعمرة ينفيان فقر من حج واعتمر ويذهبان بذنوبه؛ فلا ينبغي للعبد أن يستكثر ما يبذله فيهما من النفقة ويستصعب مشاق السفر، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةَ» (متفق عليه).

ونحن المسلمون نعطل فرائض الله من قبل أيام كورونا لإرضاء الصهيونية الأمريكية واليهودية! الحج والعمرة، ونقفل بيوت الله في الأرض بحجة (فيروس)، وكأن سبب قفل بيوت الله وتعطيل الحج والعمرة بسبب كورونا! هل هذا يعقل؟! ولذلك استهزأ الغرب بنا وأيقنوا بأننا ضعفاء ولا نحافظ على حدود الله، ولذلك يعربدون بالقتل والخراب وبحجة ضرب إيران، هل وصل بابن آدم الأمر أن يتدخل ويتجرأ ويعطل فرائض الله! لحساب من؟ ولإرضاء من؟ {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ}، {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ وَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۚ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ}، {اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا}، {فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ}.

لماذا نحارب الله في الفرائض والحدود ونتجرأ عليها بالتعطيل؟ هل نحن قدر التحدي أمام مالك الملك شديد البطش شديد العقاب؟ وقوله: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} [المائدة:33].

وعن أبي هريرة قالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (متفق عليه).
فهذه الأخبار الصحيحة وما ورد في معناها دالة على فضل حج بيت الله الحرام، والصبر على ما ينال العبد فيه من المشاق وبذل النفقات الكثيرة طلباً لمرضاة الله واحتساباً للثواب، وكل ذلك من أجل إقامة الدين واجتماع كلمة أهل الإيمان بالله الواردين إلى بيته من مشارق الأرض ومغاربها؛ وفي ذلك عز لسلطانهم وعظمة لشأنهم، فيخشاهم المعاند لهم والمخالف لدينهم الذي هو أقوى منهم عُدة وأكثر عدداً، وتكون كلمتهم فوق كل كلمة وشأنهم أعلى من كل شأن؛ لأنهم نصروا الله وأعزوا دينه فنصرهم تحقيقاً لوعده الصادق: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}.

لأن اجتماع القلوب على طاعة الله يثمر العز الدائم والسعادة الأبدية، فلابد من أن يكون الاجتماع مرضياً لله ورسوله على الأصول الإسلامية والقواعد المعتبرة؛ لأن كل اتفاق يخالف شرع الله لا ينال به العز والفلاح؛ لأنه منهي عنه، وما نهى الشرع عنه لا خير فيه، وقضت سنة الله أن المسلمين لا يتم لهم أمر يريدونه ولا تستقيم لهم حال يقصدونها إلا بامتثال أوامر الله والعمل بشريعة نبيهم!

وهذا المعنى عام شامل للفرد والجماعة، فمن استهان بشرع الله خذله الله أينما توجه وفي أي مكان وُجد، ويعقبه الذل والتخاذل والضعف والهوان والخسران والعيشة الضنك!

وإن للمتأمل لعبرة في ماضي الإسلام وما كان عليه المسلمون من العز وقهر الأعداء لما كانوا معتصمين بكتاب الله، مجتمعين على طاعة الله، يحذرون كل الحذر من تفريق الكلمة وشق العصا. وقد كان النبي ﷺ يغضب عندما يسمع قولاً يؤول إلى التفريق بين المؤمنين كما جاء في الحديث.

واجه النبي ﷺ في المدينة -إلى جانب عداء اليهود ومؤامراتهم- عدواً جديداً لم يكن للمسلمين عهد به في مكة، وهم المنافقون الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، وأعلنوا الولاء للمسلمين وأضمروا العداء والكيد لهم، وكان على رأس هؤلاء المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول.

ومؤامرات المنافقين على المسلمين في السيرة النبوية كثيرة، ومنها ما حدث في غزوة بني المصطلق (المريسيع)؛ حيث حاول المنافقون فيها -كما حاول اليهود- تمزيق وحدة المسلمين بإيجاد الشقاق بين المهاجرين والأنصار، وإعادة النعرة الجاهلية، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: «كسع (ضرب) رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار! وقال المهاجري: يا للمهاجرين! فاستثمر المنافقون -وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول- هذا الموقف، وحرضوا الأنصار على المهاجرين، فسمع ذلك رسول الله ﷺ فقال: (ما بال دعوى الجاهلية؟) قالوا: يا رسول الله، كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال رسول الله ﷺ: (دعوها فإنها منتنة)» (رواه البخاري).

فهذا كان هدي النبي ﷺ وهذه سيرته وحرصه على اتفاق أمته وجمع كلمتهم حتى قال: «ألا أنبئكم بشراركم؟»، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «المشاءون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة». وقال الله تعالى: {لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}.

زر الذهاب إلى الأعلى