أخباردين

دكتور ياسر جعفر يكتب: احذروا التلاعب بالأسعار بحجة الحروب!

إن التلاعب بالأسعار واستغلال حقوق الناس بحجة الحروب، هو أكل لأموال الناس بالباطل؛ وينبغي على المسؤولين مراعاة هذا النوع الإجرامي من عديمي الضمير. إن التلاعب بالأسعار والتلاعب بالموازين والغش وغبن الناس والاتجار في حقوقهم والمبالغة في الكسب من أقواتهم، وارتفاع أسعار المواصلات -وأغلبية السيارات تعمل بالغاز- حيث ينتهز البعض الفرصة ويغلي الأجرة إلى الضعف، مع العلم أن الخمسة كيلومترات في عداد السيارة بالغاز أعتقد تكلفتها ٣ ج؛ فينبغي التدخل القوي ضد هؤلاء التجار الذين يتاجرون في أكل أموال الناس بالباطل، والكل يرفع الأسعار بحجة ارتفاع البنزين.

الحث على الكسب الحلال: أيها المسلمون، إنَّ طلب الحلال وتحريه أمر واجب وحتم لازم، ومن آداب العمل والكسب في الإسلام أن يكون من حلال؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [المؤمنون: 51]، وَقَالَ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ [البقرة: 172]”. ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟ [رواه مسلم (1015)].

ينبغي الانضباط في الأسعار في جميع نواحي الحياة؛ هناك ناس تشتكي من صاحب السيارة الأجرة في الاستغلال المبالغ فيه، ففي مسافة ٢ كم يطلب ١٠٠ ج و٨٠ ج، وهذا استغلال وفوضى، وينبغي تقديم هؤلاء للعدالة. ذلك الرجل ذكره النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال عنه: “يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّمَاءِ ويقول: يا رَبِّ يا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ”.

لقد استجمع هذا الرجل من صفات الذلة والمسكنة والحاجة والفاقة ما يدعو إلى رثاء حاله، ويؤكد شدة افتقاره ويؤهله لاستجابة دعوته؛ فقد تقطعت به السبل، وطال عليه السفر، وتغربت به الديار، وتربت يداه، وأشعثَّ رأسه، واغبرَّت قدماه، ولكنَّه قطع صلته بالله وحرم نفسه من مدد خالقه ومولاه، فحيل بين دعائه وبين القبول؛ لأنَّه أكل الحرام، وشرب الحرام، واكتسى من الحرام، ونبت لحمه من الحرام، فردت يداه خائبتين؛ وأيّ لحم نبت من سحت -أي حرام- فالنار أولى به.

قولوا لي بربكم: ماذا يبقى للعبد إذا انقطعت صلته بربه، وحُجب دعاؤه، وحيل بينه وبين القبول والرحمة؟ لمثل هذا قال وهيب بن الورد: “لو قمت في العبادة قيام هذه السارية؛ ما نفعك حتى تنظر ما يدخل بطنك: حلال أم حرام” [حلية الأولياء، ج 8، ص 154].

إن تحري الحلال له تأثير على نفسك وجميع جوارحك؛ قال سهل -رضي الله عنه-: “من أكل الحرام عصت جوارحه شاء أم أبى، علم أو لم يعلم؛ ومن كانت طعمته حلالاً أطاعته جوارحه ووفقت للخيرات”. وقال بعض السلف: “إن أول لقمة يأكلها العبد من حلال يغفر له ما سلف من ذنوبه، ومن أقام نفسه مقام ذل في طلب الحلال تساقطت عنه ذنوبه كتساقط ورق الشجر”.
حق عليكم تحري الحلال، واتقوا الله جميعاً في أنفسكم وفي أولادكم؛ لا تطعموهم الحرام، فإنهم يصبرون على الجوع ولا يصبرون على حر النار. وكانت بعض الصالحات توصي زوجها فتقول: “يا هذا، اتقِ الله في رزقنا؛ فإنَّنا نصبر على الجوع ولا نصبر على النار”.

ولا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن ماله: من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه؟ بل ستسأل حتى عن شربة الماء؛ قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [سورة التكاثر: 8].

وقال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَـٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: 1-6].

قال ابن كثير في تفسيره: “فالمراد بالتطفيف هاهنا البخس في المكيال والميزان؛ إما بالازدياد إن اقتضى من الناس، وإما بالنقصان إن قضاهم. ولهذا فسر تعالى المطففين الذين وعدهم بالخسار والهلاك -وهو الويل- بقوله: {الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ} أي من الناس {يَسْتَوْفُونَ} أي يأخذون حقهم بالوافي والزائد، {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} أي ينقصون”. والأحسن أن يُجعل “كالوا ووزنوا” متعدياً ويكون “هم” في محل نصب، ومنهم من يجعلها ضميراً مؤكداً للمستتر في قوله “كالوا ووزنوا” ويحذف المفعول لدلالة الكلام عليه، وكلاهما متقارب.

وقد أمر الله تعالى بالوفاء في الكيل والميزان فقال: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء: 35]، وقال: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: من الآية 152]، وقال: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: 9]. وأهلك الله قوم شعيبٍ ودمرهم على ما كانوا يبخسون الناس في المكيال والميزان.

وهناك بعض المحافظين في بعض المحافظات نزلوا إلى الشارع لضبط الخارجين عن القانون في ارتفاع الأسعار وتجنب الأسعار العشوائية، وأيضاً لا ننسى جهود وزارة الداخلية في الحملات لضبط الأسعار والخارجين عن القانون.

نتقدَّمُ بخالص الشكر والتقدير إلى وزارة الداخلية، وإلى كل مسؤول ومحافظ مجتهد يعمل بإخلاص ويؤدي واجبه بضمير حيٍّ؛ حرصاً على تحقيق العدالة وصون حقوق المواطنين. إن الجهود المخلصة التي تبذلونها في خدمة الوطن والمواطن هي محل تقدير واحترام من الجميع؛ فالعدل أساس الملك، وحفظ حقوق الناس هو أسمى ما تقوم به الدولة.

نسأل الله أن يوفق كل من يجتهد في خدمة البلاد، ويسعى لإعلاء قيم العدالة والإنصاف، وأن يجعل ذلك في ميزان حسناته.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى