دين

دكتور ياسر جعفر يكتب: جوهر الدين في حُسن المعاملة!

نعم، جوهر الدين في المعاملة، وإن العبادات كلها طريق إلى المعاملة الحسنة مع الناس. للأسف، الكل على وسائل التواصل يقول: “العشر الأواخر من رمضان”، والاهتمام بالعشر الأواخر من شهر رمضان؛ نعم، إن العشر الأواخر لها روحانيات خاصة، خاصة مع المؤمنين! وأهمية العشر الأواخر بسبب نزول القرآن الكريم، فهل هناك من يطبق ما أنزله الله في كتابه وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-؟ .

هل دخلت على العشر الأواخر، وأنت في نيتك ألا تأخذ رشاوي، ولا تأكل أموال الناس بالباطل، وأكل أموال اليتامى، وإعطاء الناس حقوقهم، والميراث للأخوة البنات؟ وهل دخلت على العشر الأواخر بقلب صافٍ لتجنب أذى الجار، وأذى عباد الله!؟ هل دخلت في العشر الأواخر وعقدت النية لتجنب المعاصي والذنوب!؟، للأسف أخذناها عادات وليست عبادات؛ {قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ} [الشعراء: 74]. هل توارثنا الأجداد وأخذنا العبادات عادات كما كان يفعل آباؤنا!؟ .

جوهر الدين نور، ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة: “إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مكارمَ” وفي روايةٍ “صالحَ الأخلاقِ” [السلسلة الصحيحة]. كانت العرب تتخلق ببعض من محاسن الأخلاق بما بقي عندهم من شريعة إبراهيم -عليه السلام-، ولكن كانوا قد ضلوا بالكفر عن كثير منها؛ فبُعِثَ -صلى الله عليه وسلم- ليتمم محاسن الأخلاق، كما يؤكد هذا الحديث؛ حيث يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “إنما بُعِثْتُ”، أي: أُرسلت للخلق، “لأتمم”، أي: أُكمل ما انتقص، “مكارم الأخلاق”، أي: الأخلاق الحسنة والأفعال المستحسنة التي جبل الله عليها عباده؛ من الوفاء والمروءة، والحياء والعفة، فيجعل حَسَنَها أحسن، ويضيق على سيئها ويمنعه.

وفي الحديث: الحث على مكارم الأخلاق.

وفيه: بيان أهمية الأخلاق الحسنة في شريعة الإسلام وأنها من أولوياته.

لقد بيّن رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بهذا الأسلوب أهمية الخُلق، بالرغم من أنه ليس أهمَّ شيء بُعث النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- من أجله؛ فالعقيدة أهم منه، والعبادة أهم منه، ولكن هذا أسلوب نبوي لبيان أهمية الشيء، وإن كان غيرُه أهمَّ منه. فإن قال قائل: “ما وجه أهمية الخُلق حتى يُقدَّم على العقيدة والعبادة؟”.

إن الخُلق هو أبرز ما يراه الناسُ، ويُدركونه من سائر أعمال الإسلام؛ فالناس لا يرون عقيدةَ الشخص؛ لأن محلَّها القلبُ، كما لا يرون كلَّ عباداته، لكنهم يَرَون أخلاقه، ويتعاملون معه من خلالها؛ لذا فإنهم سيُقيِّمون دِينَه بِناءً على تعامله، فيحكُمون على صحته من عدمه عن طريق خُلقه وسلوكه، لا عن طريق دعواه وقوله. وقد حدَّثَنا التاريخ أن الشرق الأقصى…

الأخلاق الحسنة تضاعف الأجر والثواب، فمن منا لا يريد أن تبلغ درجاته عند الله درجة الصائم الذي لا يفطر والقائم الذي لا يفتر؟ فمن أراد هذه الدرجة العظيمة التي يتمناها كل مسلم، فعليه بحسن الخُلق؛ كما قال -عليه الصلاة والسلام-: «إن المؤمنَ لَيُدركُ بحُسن الخُلق درجةَ الصائمِ القائم» [رواه أبو داود وأحمد وصححه الألباني].

ورسم النبي -صلى الله عليه وسلم- صورة لرجل من أمته كان يُصَلِّي وينفق ويصوم، ولكن أخلاقه لم تستقم، فأخبر أنه سيأتي يوم القيامة لا ليدخل الجنة بل ليدخل النار؛ يقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: “أَتَدْرُونَ مَا الْـمُفْلِسُ؟”. قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: “إِنَّ الْـمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ” [رواه مسلم].

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قيل للنبي -صلى الله عليه وسلم-: يا رسول الله «إنَّ فلانة تقوم الليل وتصوم النَّهار، وتفعل وتصَّدَّق، وتؤذي جيرانها بلسانها؟»، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا خير فيها، هي من أهل النار». قالوا: وفلانة تصلي المكتوبة وتَصَّدَّق بأثوار (قطع من الأقط، وهو لبن جامد) ولا تؤذي أحداً. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «هي من أهل الجنة» [رواه أحمد وابن حبان وصححه الألباني].

هذا هو جوهر الدين؛ تجنب أذى الناس والضرر لهم. وينبغي على الإنسان أن يستمر حُسن الخلق طوال السنة، ويشحن جميع أعضائه وعلى رأسهم القلب من شهر الصيام، الشهر المفضل عن باقي شهور السنة بسبب ليلة القدر، وليلة القدر خير من ألف شهر بسبب نزول القرآن؛ كل هذا بسبب نزول القرآن. وللأسف القرآن في كل بيت وكل سيارة، فهل أخذنا به وتعلمنا أحكامه وأوامره ونواهيه!؟ .

نترك الأصل الذي كان بسببه شهر رمضان أفضل الشهور، وكان بسببه ليلة القدر أفضل الليالي، ونهتم ونعمل ألف حساب في العشر الأواخر، ونحن لا نعلم عن أحكامه وأوامره ونواهيه!؟ ماذا جرى لعقول البشر!؟ ينبغي أن تهتم الأمة الإسلامية بما نزل من كتاب الله لكي نكون سادة الأمم! .

والعجيب أنك تصلي التراويح وبجوارك من يحملون التليفون المحمول، وكل ركعتين يرسل رسائل على “الواتس”؛ وخذ من هذه النماذج الآلاف، فهل هذا دين!؟ وهل هؤلاء تنطبق عليهم هذه الآية: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}؟ وانظر وتأمَّل كيف يُقْسِم النبي -عليه الصلاة والسلام- ثلاثاً وعلى ماذا؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «واللهِ لا يُؤْمِنُ، واللهِ لا يُؤْمِنُ، واللهِ لا يُؤْمِنُ». قيل: مَنْ يا رسول الله؟ قال: «الَّذِي لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» [متفق عليه].
إن حسن الخلق هو أساس الخيرية والتفاضل بين الناس يوم القيامة، فهنيئاً لصاحب الخلق مرافقة النبي -صلى الله عليه وسلم- في الجنة، ويا سعادة من كان مجلسه في الجنة قريباً من رسول الله؛ قال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً» [رواه الترمذي وحسنه الألباني].

إنه صاحب الخلق الرفيع؛ قال صلى الله عليه وسلم: «ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق» [رواه الترمذي وابن حبان وصححه الألباني].

فقد جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- التفاوت في الإيمان بين المسلمين هو حسن الخلق، فأحسنهم خلقاً هو أكملهم إيماناً؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم» [رواه الترمذي وأحمد]. فالأخلاق الحسنة علامة على كمال الإيمان.

إنَّ نيل السّعادة والعيش في أكنافها لا يُدرك بالمنصِب ولا بالجاه، ولا يُنال بالشّهوات ومُتَع الحياة، ولا بِجمال المظهَر ورقيق اللّباس؛ لا يُنال إلا بلباسِ التّقوى ورِداء الخُلُق، عملٌ صالح وقول حسَن؛ {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 77-78].

إن الأخلاق العظيمة سبب في محبة الله للعبد، وإذا أحبك الله وفقك وسددك وأعانك؛ قال صلى الله عليه وسلم: «أحب عباد الله إلى الله أحسنهم خلقاً» [رواه الحاكم والطبراني وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح].

إن أخطر شيء على أخلاق الناس هو هذه الدنيا بمتاعها ومغرياتها، بزخارفها وشهواتها من النساء والبنين…؛ إنَّ الغلوَّ في حب الدنيا هو رأس كل خطيئة، والتنافس عليها أساس كل بلية! من أجل متاع الدنيا يبيع الأخ أخاه، ويقتل الابن أباه، ومن أجلها يخون الناسُ الأمانات وينكثون العهود، ومن أجلها يجحد الناس الحقوق وينسون الواجبات… إلخ.

(الخروج من رمضان بالأخلاق الحسنة: موعظة إيمانية) 

الحمد لله الذي بلغنا شهر رمضان، وأعاننا فيه على الصيام والقيام، وجعل فيه من النفحات والبركات ما تُغفر به الذنوب وتُرفع به الدرجات، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ ﷺ، الذي علّم الأمة مكارم الأخلاق، وجعل حسن الخلق من أعظم القُربات.
إنَّ شهر رمضان ليس أياماً معدودة للصيام فحسب، بل هو مدرسة إيمانية يتعلم فيها المسلم تهذيب النفس، وضبط الشهوات، والتحلي بالأخلاق الفاضلة؛ قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ… لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. فالمقصد الأعظم من الصيام هو تحقيق التقوى، والتقوى تظهر في أخلاق الإنسان وتعاملاته مع الناس.

فليس المقبول أن يخرج المسلم من رمضان كما دخل، دون أن يتغيّر قلبه ولسانه وسلوكه، بل الواجب أن يكون رمضان بداية لحياة جديدة يسودها الصدق والأمانة والرحمة والعدل. لقد علّمنا النبي ﷺ أن العبادة لا تنفصل عن الأخلاق، فقال: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ». فالصيام الحقيقي هو الذي ينهى صاحبه عن الكذب، والظلم، وأذى الناس.

ومن أعظم ما ينبغي أن نحافظ عليه بعد رمضان:

أولاً: تطبيق كتاب الله وسنة رسوله ﷺ

فالمؤمن لا يقرأ القرآن في رمضان ثم يهجره بعده، بل يجعل القرآن منهج حياة؛ يعمل بأوامره ويجتنب نواهيه، ويقتدي بسنة النبي ﷺ في أخلاقه ومعاملاته.

ثانياً: كفُّ الأذى عن الناس

فالمسلم الحق هو الذي يأمن الناس شرَّه، فلا يؤذي بلسانه ولا بيده، ولا يعتدي على حقوق الآخرين؛ قال النبي ﷺ: «المسلمُ مَن سَلِمَ المسلمونَ من لسانِه ويدِه».

ثالثاً: اجتناب الظلم والفساد

فالظلم ظلمات يوم القيامة، والفساد في الأرض من أعظم الذنوب. والمؤمن الذي تربّى في مدرسة رمضان يجب أن يكون ناصراً للعدل، بعيداً عن البغي والاعتداء، حافظاً لحقوق الناس وأموالهم.

رابعاً: دوام الطاعة بعد رمضان

فربُّ رمضان هو ربُّ سائر الشهور، ومن علامة قبول العمل أن يستمر العبد على الطاعة بعده؛ فيحافظ على الصلاة، ويكثر من الذكر، ويستمر في الصدقة وفعل الخير.
عباد الله…

إنَّ النجاح الحقيقي في رمضان ليس بكثرة الصيام والقيام فقط، بل أن يخرج المسلم منه بقلبٍ أنقى، ولسانٍ أصدق، وأخلاقٍ أطيب. فمن خرج من رمضان وقد تعلَّم العفو، وترك الظلم، وكفَّ الأذى عن الناس، فقد فاز فوزاً عظيماً.

نسأل الله أن يجعلنا من المقبولين، وأن يُصلح قلوبنا وأخلاقنا، وأن يرزقنا العمل بكتابه، والاقتداء بسنة نبيه ﷺ، وأن يجعل رمضان بدايةَ صلاحٍ دائمٍ في حياتنا.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

زر الذهاب إلى الأعلى