دكتور ياسر جعفر يكتب: في الجنة ثمانية أبواب

الكل يطمع أن يدخل الجنة، وكثيرٌ يطمع أن يدخل من كل الأبواب، ولكن الوصول لهذه الأبواب يحتاج جهداً وإخلاصاً في العبادات وحسن التوكل على الله. وينبغي على الإنسان أن يجتهد وأن يكون معه “مفاتيح” هذه الأبواب؛ اجعل لنفسك “ميدالية ذهبية” تضع فيها هذه المفاتيح، كما تحب أن تحمل مفاتيح السيارة والشقق والعمارة. وأهم شيء قبل أن تحمل مفاتيح أبواب الجنة، جهز لها “ميدالية الإخلاص” واليقين الصادق لله وحسن التوكل عليه.
ففي الحديث الذي رواه سهل بن سعد الساعدي: (إنَّ في الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ له: الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ منه الصَّائِمُونَ يَومَ القِيَامَةِ، لا يَدْخُلُ منه أحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ، لا يَدْخُلُ منه أحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ منه أحَدٌ) [صحيح البخاري].
والحمد لله نحن في شهر الصيام، وهي فرصة أن تضع “مفتاح الصيام” في الميدالية، ولكن الصيام ليس الامتناع عن الأكل والشرب فحسب، بل هو صيام شامل؛ تصوم عن جميع المعاصي والذنوب وكل ما يغضب الله، وليس في شهر رمضان فقط بل طوال السنة. هذا هو الصيام الحقيقي لأنه يحتاج للصبر؛ ولذلك خاطب الله سبحانه وتعالى “المؤمنين” وليس “المسلمين”، لأن هناك مسلمين غير ملتزمين بأحكام الصيام، ولكن المؤمنين يتحملون أحكام الصيام والصبر عليها، وهم الذين يواصلون القيام إلى آخر شهر رمضان. أما المسلمون (غير الملتزمين) فقد تأخذهم أهواؤهم في أول أسبوع من شهر رمضان، وبعد ذلك تسرقهم المقاهي وأمام الشاشات واللهو وبرامج الضلال؛ فكان خطاب الصيام للمؤمنين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
الخطاب للذين آمنوا؛ “يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه”، فرض الله عليكم الصيام كما فرضه على الأمم قبلكم؛ لعلكم تتقون ربكم، فتجعلون بينكم وبين المعاصي وقاية بطاعته وعبادته وحده.
وشهر رمضان من أعظم الشهور بسبب نزول القرآن الكريم؛ فينبغي على الإنسان أن يتمسك بالقرآن وينفذ أحكامه. شهر رمضان مفضل على جميع الشهور، وليلة القدر أعظم الليالي، وكل هذا بسبب نزول القرآن الكريم. “خليك أنت عظيم” وتمسك بالقرآن وأحكامه، وكذلك الأمة الإسلامية تتمسك به لكي تكون أعظم الأمم؛ قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185].
شهر رمضان الذي ابتدأ الله فيه إنزال القرآن في ليلة القدر؛ هداية للناس إلى الحق، وفيه أوضح الدلائل على هدى الله، وعلى الفارق بين الحق والباطل. فمن حضر منكم الشهر وكان صحيحاً مقيماً فليصم نهاره، ويُرخَّص للمريض والمسافر في الفطر ثم يقضيان عدد تلك الأيام. يريد الله تعالى بكم اليسر والسهولة في شرائعه، ولا يريد بكم العسر والمشقة؛ ولتكملوا عدة الصيام شهراً، ولتختموا الصيام بتكبير الله في عيد الفطر، ولتعظموه على هدايته لكم، ولكي تشكروا له على ما أنعم به عليكم من الهداية والتوفيق والتيسير.
نريد ناساً تأخذ العبادات على علم ومعرفة ويقين، لا نأخذها عادات؛ نأخذها بخضوع ويقين. الكل يتمنى ليلة القدر ويجتهد في الليالي الوترية، وليلة القدر سهلة جداً؛ ليلة القدر لها قدر وشأن بسبب القرآن، وأنت -أخي الفاضل- بين يديك كتاب الله الذي تهجره بالسنة ولا تفتحه! اقرأ القرآن وتدبر آياته وأحكامه وحدوده ونواهيه وأوامره.
وإذا أردت ليلة القدر، فتمسك بالليالي الوترية بدعاء: “اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني”، لا ينقطع إلى طلوع الفجر، بقلب سليم خالٍ من الحقد والحسد والضغينة والكبر والنفاق. ولو كان عليك دين لأحد فسدده له، سواء كان دين أموال أو دين ظلم، فمن أكل ميراث أخيه أو أخته فليلة القدر “مقفولة” أمام هؤلاء!
أصلح ما بينك وبين الله في أوامره ونواهيه، ثم أصلح بينك وبين نفسك وطهر قلبك من السواد، وأصلح ما بينك وبين الناس الذين أكلت حقوقهم وظلمتهم. اعرف دينك بالعلم والمعرفة، اعرف دينك بالعبادات وليس بالعادات؛ فنحن أمة منكوبة بسبب عدم معرفتها بدينها الصحيح.
ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة: (رُبَّ صائمٍ ليسَ لَه من صيامِه إلَّا الجوعُ، ورُبَّ قائمٍ ليسَ لَه من قيامِه إلَّا السَّهرُ) [صحيح ابن ماجه].
ينبغي أن تعرف دينك بالعلم والمعرفة لتجنب الوقوع في الخطأ؛ وينبغي للمسلم أن يؤدي العبادات على وجه التمام والإحسان حتى يفوز بالأجر والثواب، وقد تخالط العبادات أعمال تنقص من أجرها أو تبطلها.
وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ أبو هُريرةَ -رَضِيَ اللهُ عَنه- أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم- قال: “رُبَّ صائمٍ ليس له مِن صِيامِه إلَّا الجوعُ”، وهذا محمولٌ على مَن صام ولم يُخلِصِ النِّيَّةَ، أو لَم يتجنَّبْ قولَ الزُّورِ والكَذِبِ والبُهْتانِ والغِيبةِ ونَحْوِها مِن الْمَناهي؛ فيَحصُلُ له الجوعُ والعطشُ، ولا يَحصُلُ له الثَّوابُ، أو هو الَّذي يُفطِرُ على الحَرامِ ولا يَحفَظُ جَوارِحَه عن الآثامِ. “ورُبَّ قائمٍ” -أي: مُتهجِّدٍ بالصَّلاةِ في اللَّيلِ- “ليس له مِن قيامِه إلَّا السَّهرُ”؛ وذلك لسُوءِ نيَّتِه أو غَصْبِ مَنزِلِ صَلاتِه، أو نَحوِ ذلك. وجعْلُ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم- الجوعَ والعطَشَ والتَّعبَ والسَّهرَ حظَّه مِن عمَلِه كالتَّهكُّمِ؛ كأنَّهما أجْرُه ومَطلوبُه. وفيه زجْرٌ عن إتعابِ الإنسانِ بدَنَه وإجاعتِه وإعطاشِه مع عمَلٍ لا أجرَ له فيه، والمرادُ به المبالغةُ، والنَّفيُ محمولٌ على نَفْيِ الكمالِ، أو المرادُ به الْمُرائي؛ فإنَّه ليس له ثوابٌ أصلاً.
وينبغي على الإنسان أن يلتزم بآداب الصيام وأحكامه وآداب المساجد، وأن يعلم أولاده آداب المساجد؛ فالمساجد بيوت الله، وبيوتٌ للعلم والمعرفة وتعليم القرآن والسنة النبوية. هذا الصيام بابه اسمه “الريان”، فتمسك بالمفتاح وضعه في “ميدالية الإخلاص” واليقين الصادق وحُسن التوكل على الله. وتابع صيام الثلاثة أيام من كل شهر، وصيام الست من شوال، وصيام الاثنين والخميس، وصيام عاشوراء، وصيام يوم عرفة… إلخ من هذه الأيام عظيمة القدر.
بكذا -بإذن الله- تضمن مفتاح باب الريان للصائمين، وتفتح به الباب بكل سهولة. وبإذن الله نكتفي بهذا القدر، ونكمل في المرات القادمة أبواب الجنة وكيفية عمل المفاتيح والاحتفاظ بها في “الميدالية الذهبية”؛ ميدالية الإخلاص واليقين الصادق لله وحسن التوكل عليه. وكل عام وأنتم بخير.



