دين

دكتور ياسر جعفر يكتب: في الجنة ثمانية أبواب (الجزء الخامس)

الكل يطمع أن يدخل الجنة، وكثيرٌ يطمع أن يدخل من كل الأبواب، ولكن الوصول لهذه الأبواب يحتاج جهداً وإخلاصاً في العبادات وحسن التوكل على الله. وينبغي على الإنسان أن يجتهد وأن يكون معه “مفاتيح” هذه الأبواب؛ اجعل لنفسك “ميدالية ذهبية” تضع فيها هذه المفاتيح، كما تحب أن تحمل مفاتيح السيارة والشقق والعمارة. وأهم شيء قبل أن تحمل مفاتيح أبواب الجنة، جهز لها “ميدالية الإخلاص” واليقين الصادق لله وحسن التوكل عليه.

وتكلمنا عن أبواب سابقة: “باب الريان” للصائمين، و”باب الجهاد”، و”باب الصلاة”، و”باب الصدقة”. وها نحن في هذا المقال نتحدث بتوفيق من رب العالمين عن “باب الإيمان” بالله والأعمال الصالحات، وأعمال الخير كثيرة جداً؛ منحٌ من الله للإنسان ليجتهد للوصول لهذه الأبواب بمفاتيح يقوم الإنسان بامتلاكها بالسعي في الإخلاص في العبادات لله الواحد الأحد الفرد الصمد.
قال تعالى: {وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ۖ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ} [إبراهيم: 23].

ولما ذكر عقاب الظالمين ذكر ثواب الطائعين فقال: {وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}؛ أي: قاموا بالدين قولاً وعملاً واعتقاداً. {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} فيها من اللذات والشهوات ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

{خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ}؛ أي: لا بحولهم وقوتهم بل بحول الله وقوته. {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ}؛ أي: يحيي بعضهم بعضاً بالسلام والتحية والكلام الطيب.

أخي القارئ العاقل، أبوابُ عمل الخير كثيرة ومتاحة، فسارع للوصول بها إلى الجنة، ولا يشغلك الشيطان عن هذه الأعمال الصالحة، وأنواع أعمال الخير كثيرة؛ ففي الحديث الذي رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (سَألتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أيُّ العَمَلِ أحَبُّ إلى اللهِ؟ قال: الصَّلاةُ على وقتِها، قال: ثُمَّ أيٌّ؟ قال: ثُمَّ برُّ الوالِدَينِ، قال: ثُمَّ أيٌّ؟ قال: الجِهادُ في سَبيلِ اللهِ، قال: حدَّثَني بهِنَّ، ولَوِ استَزَدتُه لَزادَني) [صحيح البخاري].

تكلمنا عن “الجهاد في سبيل الله” وعن “الصلاة”، وهنا “بر الوالدين”؛ فأيُّ الأعمال أحبُّ إلى الله تعالى بعد الصلاة؟ فأخبره صلى الله عليه وسلم أنه بر الوالدين؛ بالإحسان إليهما، والقيام بخدمتهما، وترك عقوقهما. ولما كان ابن مسعود له أمٌّ؛ احتاج إلى ذكر بر والديه بعد الصلاة؛ لأن الصلاة حقُّ الله، وحقُّ الوالدين يأتي بعد حق الله عز وجل، كما قال تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14].

وفي الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه: (خُذُوا جُنَّتَكُمْ مِنَ النارِ؛ قولوا: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ، فإِنَّهنَّ يأتينَ يومَ القيامةِ مُقَدِّمَاتٍ وَمُعَقِّبَاتٍ وَمُجَنِّبَاتٍ، وَهُنَّ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ) [صحيح الجامع].

ذكر الله تعالى من أفضل الأعمال وأيسرها، التي تنجي صاحبها من النار، وتبقى له ذُخراً وأجراً يوم القيامة. وفي هذا الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: “خُذوا جُنَّتَكم”، أي: احترسوا وخذوا وقايتكم، “من النار” وذلك بأن تجعلوا بينكم وبين النار وقاية. ثم فسر لهم النبي صلى الله عليه وسلم كيفية الوقاية من النار؛ وذلك بقول: “سبحان الله”، وهي تعني تنزيهه عن كل ما لا يليق بجمال ذات الله سبحانه وكمال صفاته، “والحمد لله”، أي: أثني عليه؛ فهو المستحق لإبداء الثناء وإظهار الشكر، “ولا إله إلا الله”، أي: لا إله حقٌّ إلا الله جل وعلا، وهو وحده المستحق أن يُفرَد بالعبادة والتألُّه، “والله أكبر” إثبات للكبرياء والعظمة لله تعالى.

“فإنهنَّ”، أي: فإن هذه الكلمات، “يأتين يوم القيامة مقدمات” أي: يتقدمن صاحبها يوم القيامة، “ومعقبات”، أي: هن كلمات يأتي بعضها عقب بعض، “ومجنبات”، أي: هي التي تكون في الميمنة والميسرة، فكأنهن جيش من جهة قائلهن يسترنه عن النار. “وهن الباقيات الصالحات”، أي: باقيات لصاحبها وصالحات لجزيل ثوابها في المعاد وحين الحاجة، ويحتمل أن يريد بها قوله تعالى: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا} [مريم: 76].

العمل الصالح هو كل عمل أو قول يرضاه الله سبحانه من عباده؛ جاء عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: «سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: أدومها وإن قلَّ»، وقال صلى الله عليه وسلم: «اكلفوا من الأعمال ما تُطيقون» [رواه البخاري]. وقال تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} [المعارج: 19 – 23].

لصحة العمل الصالح أمران؛ الأول: أن يكون العمل موافقاً لِما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كما قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7]. والثاني: أن يكون العبد مخلصاً لله سبحانه وتعالى في عمله؛ كما قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5].

نحن في هذه الدنيا سائرون إلى الله سبحانه، فكل يوم يمر علينا يقربنا إلى الآخرة، ويبعدنا عن الدنيا؛ لذا علينا أن نلزم الطريق المستقيم، وأن نحرص على الأعمال الصالحة؛ حتى نكون مع الأنبياء والصديقين، والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. قيل للحسن البصري رحمه الله: “سبقنا القوم على خيل دُهم، ونحن على حُمر معقرة؟” فقال: “إن كنتَ على طريقهم، فما أسرع اللحاق بهم!” [من كتاب الفوائد لابن القيم]. وقال تعالى مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99]، وقال سبحانه على لسان نبيه عيسى: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} [مريم: 31].

إن الإيمان بالله حقاً لابد فيه من اعتقاد القلب، ونطق اللسان، وعمل الجوارح، فلا تكفي دعوى الإيمان بلا عمل؛ لأن الله -جل وعلا- ذكر الإيمان مقروناً بالعمل الصالح في آيات من كتابه العزيز، وإن الإيمان بلا عمل كجسد بلا روح لا اعتبار له؛ فالإيمان والعمل قرينان في كتاب الله، فكما لا ينفع عمل بلا إيمان، فلا ينفع إيمان بلا عمل.

إن المسارعة لفعل الخيرات، والإكثار منها، من أجلِّ الطاعات وأعظم القربات، وفي ذلك فوائد عظيمة؛ فمنها: أن الله -جل وعلا- أمر بالمسارعة إلى فعل الخيرات، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون: 51].

وقال جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحـج: 77]. وقال: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133].

ويقول صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: «بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ الصالحة سَبْعاً، هَلْ تَنْظُرُونَ إِلَّا فَقْراً مُنْسِياً، أَوْ غِنًى مُطْغِياً، أَوْ مَرَضاً مُفْسِداً، أَوْ هَرَماً مُفَنِّداً، أَوْ مَوْتاً مُجْهِزاً، أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ».
أمرَ بمبادرة الأعمال الصالحة قبل حصول شيء من هذه العلامات السبع، والمراد الحث على اغتنام الأوقات والمسارعة في وقت الإمهال قبل لقاء الله: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} [الانشقاق: 6].

ويقول صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي عن ربه -جل وعلا- أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَىَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَىَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ».

إنك مأمور بالتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة؛ فجدَّ واجتهد في أداء الفرائض والنوافل، لتكون زاداً لك يوم لقاء الله: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197]. إنَّ الهَدَفَ الحَقِيْقِيَّ مِنْ هَذِهِ الحَيَاةِ هُوَ عِبَادَةُ اللهِ عز وجل، وَالاسْتِكْثَارُ مِنْ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالقُرُبَاتِ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].

وَالمُؤْمِنُ يَتَمَنَّى البَقَاءَ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ حَتَّى يَزْدَادَ قُرْبَةً مِنْ رَبِّ البَرِيَّاتِ سُبْحَانَهُ، غَيْرَ أَنَّ حَيَاةَ البَشَرِ قَصِيْرَةٌ نِسْبِيًّا؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَعْمَارُ أُمَّتِيْ مَا بَيْنَ السِّتِّيْنَ إِلَى السَّبْعِيْنَ وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوْزُ ذَلِكَ» [رواه الترمذي وصححه].

فإذا كان العمرُ بهذا القِصرِ، فينبغي للعبدِ أن يستثمرَ هذه الحياةَ، فيتقربَ إلى ربِّ البرياتِ بالأعمالِ اليسيرةِ ذاتِ الأجورِ الكبيرةِ التي يضاعفُ أجرُها عند الله تعالى، وأكثرُ ما يقربُ إلى الله جل جلاله هو استثمارُ هذه الأوقاتِ اليوميةِ، بالأعمالِ الصالحةِ، والمداومةُ عليها وإحسانُ أدائها؛ فعن أبي بكرةَ نفيعِ بنِ الحارثِ رضي الله عنه قال: إنَّ رجلاً قال: «يا رسولَ اللهِ، أيُّ الناسِ خيرٌ؟ قال: مَنْ طالَ عُمُرُهُ، وحَسُنَ عملُهُ. قال: فأيُّ الناسِ شرٌّ؟ قال: مَنْ طالَ عُمُرُهُ وساءَ عملُهُ» [رواه الترمذي وصححه]. فالسعيدُ مَنْ يباركُ اللهُ له في عُمُرهِ ويوفقُهُ لعملِ الطاعاتِ والقرباتِ.

مِنْ أعظمِ ما يعينُ العبدَ على التوفيقِ للعملِ الصالحِ؛ دعاؤُهُ بعد كلِّ صلاةٍ بخشوعٍ وتدبرٍ وحضورِ قلبٍ؛ فعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أتُحبُّونَ أنْ تَجتهِدُوا في الدُّعاءِ؟ قُولُوا: اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى شُكْرِكَ، وذِكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبادَتِكَ» [رواه الإمام أحمد وصححه الألباني].

وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «إنَّ المؤمنَ لَيُدركُ بحُسنِ خُلقِه درجةَ الصَّائمِ القائمِ» [رواه أبو داود وصححه الألباني].قال عبدُ الله بنُ المباركِ رحمه الله في حُسنِ الخُلقِ: «هو بَسْطُ الوجهِ، وبذلُ المعروفِ، وكفُّ الأذى» [أخرجه الترمذي]. وقال يحيى بنُ معاذٍ رحمه الله: «ليكنْ حظُّ المؤمنِ منك ثلاثاً: إنْ لم تنفعْهُ فلا تضرَّهُ، وإنْ لم تُفرحْهُ فلا تغمَّهُ، وإنْ لم تمدحْهُ فلا تذمَّهُ».

ومِنْ أجلِّ الأعمالِ وأفضلِها: محافظةُ الرَّجلِ المسلمِ على صلاةِ الجماعةِ مع المسلمين في المساجدِ؛ فعن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «صلاةُ الجماعةِ تفضُلُ صلاةَ الفذِّ بسبعٍ وعشرينَ درجةً» [أخرجه البخاري].

زر الذهاب إلى الأعلى