دكتور ياسر جعفر يكتب: خذلان المسلم لأخيه المسلم

هو ممكن خذلان المسلم لأخيه المسلم؟!
نعم بتحصل كتير على مستوى المسلمين على مستوى العالم، على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع والدول، إن أخوة الإسلام أخوة قوية يربطها رباط القرآن والسنة النبوية، وهي من أقوى الأخوة ولذلك الخذلان يكون فيها صعباً ومُرّاً، وربما يقع المسلم في بعض الهموم والأحزان ومشاكل الحياة كثيرة ومتعددة ومتنوعة، فينبغي على المسلم أن يشد من أزر أخيه المسلم في جميع مشاكله. قال رسول الله ﷺ: «ما من امرئ يخذل امرءاً مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته، وما من أحد ينصر مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته».
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً. المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره. التقوى ها هنا» -ويشير إلى صدره ثلاث مرات- «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه».
فينبغي على المسلم ألا يخذل أخاه المسلم ويقف بجانبه في أصعب المواقف على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع والدول وخاصة الدول، وها نحن نعيش في فتن هذا الزمان، فتن كقطع الليل المظلم، فيها تخبط في الحقائق، فينبغي على الدول المسلمة أن تراعي الحقوق فيما بينها بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ؛ لأنه يربطهم حبل الله المتين كتاب الله. فلتحذر أمة الإسلام من الوقوع في الفتن من أعدائها وخاصة اليهود والصهيونية الأمريكية؛ لأنهم يريدون بالأمة الدمار، لا عندهم عهود ولا مواثيق إلا للشيطان فقط، كل ولاؤهم لإبليس، فينبغي الحذر من هؤلاء، ويحذروا الخذلان فيما بينهم. ولتعلم أخي الحبيب أن أعظم عرض للمؤمن هو دينه ثم يليه شرفه، والاتهام في الدين كالقتل، فبالاتهام في الدين تستحل الأعراض أولاً باستحلال الكلام في عرض المسلم بتلك الدعاوى التي يلبس بها الشيطان، ألا وهي الجرح والتعديل وفضح صاحب البدعة، فكل من هوى في الوقوع في عرض أخيه المسلم ممن ينتسب للعلم أو العمل للإسلام -وللأسف- سعى بإلحاقه إلى البدعة لكي يستحل ما يقوله فيه، وإنا لله وإنا إليه راجعون. ثم ما يزال الشيطان يستدرجه حتى يستحل ماله ودمه.، ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة: «المسلمُ أخو المسلمِ، لا يخونُه، ولا يكذِّبُه، ولا يخذُلْه، كلُّ المسلمِ على
وفي رواية: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً.
المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره. التقوى هاهنا» -ويشير إلى صدره ثلاث مرات- «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه، وماله، وعرضه». (صحيح مسلم)
الألفة والمحبة بين المسلمين من أعظم مقاصد الشريعة الإسلامية المطهرة؛ لذا جاء النهي عن كل أسباب الفرقة والتشاحن في المجتمع، وقد أخبر الله تعالى أن المؤمنين إخوة في الدين، والأخوة ينافيها الحقد والبغضاء، وتقتضي التوادد والتناصر وقيام الألفة والمحبة فيما بينهم.
وفي هذا الحديث نهى النبي ﷺ عن مساوئ الأخلاق، ومنها الحسد؛ فلا يحسد بعضنا بعضاً، والحسد هو تمني زوال نعمة المحسود، وهو اعتراض على الله تعالى له حيث أنعم على غيره، مع محاولته نقض فعله تعالى وإزالة فضله سبحانه، والحسد غير الغبطة، وهي أن يرى المرء نعمة عند غيره، فيتمنى مثلها لنفسه دون زوالها عن أخيه؛ فإن كانت الغبطة في أمر دنيوي -من صحة، أو قوة، أو مركز، أو ولد- فلا بأس بها، وإن كانت في أمر ديني -كالعلم النافع، أو المال الصالح- فهي مطلوبة شرعاً، كما في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً، فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة، فهو يقضي بها ويعلمها»، وفي البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن، فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له، فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل، ورجل آتاه الله مالاً، فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل».
ثم نهى النبي ﷺ عن النجش، وهو أن يزيد الإنسان في سعر السلعة لا لرغبة في شرائها؛ بل ليخدع غيره بتكثير الثمن عليه ليشتريها بسعر زائد، سواء كان بمواطأة البائع أم لا؛ لأنه غش وخداع، ويحتمل أن يفسر التناجش المنهي عنه في هذا الحديث بما هو أعم من ذلك؛ فإن أصل النجش في اللغة إثارة الشيء بالمكر والحيلة والمخادعة، وحينئذ يكون المعنى: لا تتخادعوا، ولا يعامل بعضكم بعضاً بالمكر والاحتيال، وإنما يراد بالمكر والمخادعة إيصال الأذى إلى المسلم.
ثم نهى النبي ﷺ عن التباغض، وهو ألا يتعاطى الرجل أسباب البغض لأخيه المسلم؛ لأن البغض لا يكتسب ابتداءً، والبغض هو النفرة عن الشيء لمعنى فيه مستقبح، وترادفه الكراهة، ثم هو بين اثنين؛ إما من جانبيهما أو من جانب أحدهما، وعلى كلٍّ فهو إذا لم يكن حمية للدين وغيرة على انتهاك محارم الله؛ فهو منهي عنه، وأما البغض في الله فإنه يثاب فاعله؛ لتعظيم حق الله، فلا يتباغض المسلمون بينهم في غير الله تعالى؛ فإن الله تعالى جعلهم إخوة، والإخوة يتحابون بينهم ولا يتباغضون.
ثم نهى عن التدابر، وهو أن يولي المسلم أخاه المسلم ظهره ودبره؛ إما حسياً فلا يجالسه ولا ينظر إليه، وإما معنوياً فلا يظهر الاهتمام به، والمقصود نهيهم عن التقاطع والتهاجر، فيعرض عما يجب لأخيه المسلم من حقوق الإسلام كالإعانة والنصر، وإلقاء السلام عليه، وعدم الهجران في الكلام أكثر من ثلاثة أيام إلا لعذر شرعي.
ثم نهى ﷺ عن بيع بعضهم على بيع بعض، فلا يصح لأحد بغير إذن البائع أن يقول لمشتري سلعة في زمن الخيار: افسخ هذا البيع وأنا أبيعك مثله بأرخص من ثمنه أو أجود منه بثمنه؛ وذلك لما فيه من الإيذاء الموجب للتنافر والبغض.
ثم بين لهم المنزلة التي ينبغي أن يكونوا عليها، وهي الأخوة، كأخوة النسب في الشفقة والرحمة، والمحبة والمواساة، والمعاونة والنصيحة، فأمرهم أن يأخذوا بأسباب كل ما يوصلهم لمثل الأخوة الحقيقية مع صفاء القلب، والنصيحة بكل حال.
ثم أخبر النبي ﷺ أن المسلم -سواء كان حراً أو عبداً، بالغاً أو غير بالغ- أخو المسلم في الإسلام، فهي أخوة دينية، وهي أعظم من الأخوة الحقيقية؛ لأن ثمرة هذه دنيوية، وثمرة تلك أخروية، فالمسلم لا يظلم المسلم؛ فإن الله سبحانه حرم قليل الظلم وكثيره، وفي الوقت نفسه «لا يخذله»، أي: لا يتركه إلى الظلم، ولا يترك إعانته ونصره، «ولا يحقره» فلا يستصغر شأنه ويضع من قدره؛ فالاحتقار ناشئ عن الكبر، فهو بذلك يحتقر غيره ويراه بعين النقص، ولا يراه أهلاً لأن يقوم بحقه.
ثمَّ بيَّن النَّبيُّ ﷺ المعنى الحقيقيَّ للتَّقوى فقال: «التَّقوى هاهنا»، والتَّقوى هي الخوفُ من اللهِ واجتنابُ عذابِه بفعلِ المأمورِ وتركِ المحظورِ، والمعنى: اجعلوا هذه الأمورَ وقايةً بينكم وبين النَّارِ، وإذا كان أصلُ التَّقوى الخوفَ، والخوفُ إنَّما ينشأُ عن المعرفةِ بجلالِ اللهِ وعظمتِه وعظيمِ سلطانِه وعقابِه، والخوفُ والمعرفةُ محلُّهما القلبُ؛ فلذلك أشارَ ﷺ بيدهِ إلى صدرِه ثلاثَ مرَّاتٍ، أي: محل مادتها من الخوف الحاصل عليها القلب، الذي هو عند الصدر، وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ التَّقوى الحقيقيَّةَ هي ما كان من الأعمالِ والاعتقاداتِ التي يصدقها القلبُ ويعقدُ عليها بالإخلاصِ، وليس ما يكونُ من الأعمالِ الظَّاهرةِ التي فيها رياءٌ وليس فيها إخلاصٌ للهِ.
ثمَّ قال ﷺ: «بحسبِ امرئٍ»، أي: يكفي الإنسانَ من الشَّرِّ؛ وذلك لعظمهِ في الشَّرِّ، كافٍ له عن اكتسابٍ آخرَ؛ أن يحقرَ أخاه المسلمَ، فإنَّه النَّصيبُ الأكبرُ والحظُّ الأوفى، ولذلك قال ﷺ: «كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ؛ دمهُ، ومالهُ، وعرضهُ»؛ فلا يقتلُ مسلمٌ مسلماً، أو يسرقُه، أو يزني بحريمهِ، ولا يطعنُ في شرفهِ.
الخذلان، وهو تركُ النصرةِ والإعانةِ، ومعناه: إذا استعان به في دفعِ ظالمٍ ونحوِه لزمه إعانتُه إذا أمكنه، ولم يكن له عذرٌ شرعيٌّ.
2- عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «المؤمنون تكافأُ دماؤُهم، وهم يدٌ على من سواهم» يعني: أنَّ المسلمين لا يسعُهم التَّخاذلُ، بل يعاونُ بعضُهم بعضاً على جميعِ الأديانِ والمللِ.
3- عن أنسٍ رضي الله عنه، قال: «قال رسولُ اللهِ ﷺ: انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فقال رجلٌ: يا رسول الله، أنصرُه إذا كان مظلوماً، أفرأيت إذا كان ظالماً كيف أنصرُه؟ قال: تحجزه أو تمنعه من الظُّلمِ؛ فإنَّ ذلك نصرُه»، فنهى عن تركِ إعانةِ المسلمِ؛ لأنَّه إذا تركَه على ظُلمِه ولم يكفَّه عنه، أدَّاه ذلك إلى أن يقتصَّ منه؛ فمنعُه له ممَّا يوجبُ عليه القصاصَ نصرُه؛ لأنَّ النَّصرَ دفعُ الضررِ عن أحدٍ، وإذا منعتَ أحداً عن الظُّلمِ فقد دفعتَه عن الإثمِ الذي هو سببُ دخولِه النَّارَ، فكأنَّك دفعتَ النَّارَ عنه، وأيُّ نصرةٍ أكملُ من دفعك النَّار عن أخيك؟
اتحادُ العربِ قوةٌ لا تُكسر، والفتنةُ نارٌ لا تُبقي ولا تذر؛ فاحذروا من يشعلها، وتمسَّكوا بوحدتكم، فبها النجاةُ والعزةُ والاستقرارُ.





