وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ

بقلم: د. ياسر جعفر

قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ .
(التفسير المبسط)
هذه الآية تبيّن قدرة الله المطلقة على إنزال أنواع متعددة من العذاب على الناس، وتحذّر من عواقب المعصية والاختلاف:
(عذابًا من فوقكم): مثل الصواعق، أو الحجارة، أو العذاب النازل من السماء.
(أو من تحت أرجلكم): مثل الزلازل، أو الخسف بالأرض، أو ما يخرج منها من بلاء.
(أو يلبسكم شيعًا): أي يجعلكم فرقًا متناحرة مختلفة (أحزاب وطوائف)، فيحدث التفرّق والفتنة.
(ويذيق بعضكم بأس بعض): أي يجعل بعضكم يعتدي على بعض، فتقع الحروب والاقتتال بين الناس.
(انظر كيف نصرف الآيات): أي يبيّن الله الأدلة بطرق مختلفة، لعل الناس يفهمون ويتعظون.
المعنى العام:
الآية تحذير شديد بأن العذاب ليس فقط كوارث طبيعية، بل قد يكون أيضًا فتنًا داخلية وانقسامات وصراعات بين الناس، وهي من أشد أنواع البلاء.
فائدة مهمة:
قال بعض المفسرين إن النبي ﷺ استعاذ من النوعين الأولين؛ ففي الحديث الذي رواه عبد الله بن عمر: «لم يكنْ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَدَعُ هؤلاء الدعواتِ حينَ يُمسي، وحينَ يُصبِحُ: اللهم إني أسألُك العافيةَ في الدنيا والآخرةِ، اللهم إني أسألُك العفوَ والعافيةَ في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استرْ عورتي وآمنْ روعاتي، اللهم احفظْني مِن بين يديَّ ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذُ بعظمتِك أن أُغتالَ مِن تحتي» (صحيح أبي داود).
(العذاب من فوق ومن تحت) فرفع الله عن الأمة، لكن الاختلاف والاقتتال بقي كابتلاء. ونعيش هذه الأيام من فتن الحروب وهي بسبب الخيانات التي تحدث بالأمة الإسلامية، وهنا (ليذيق بعضكم بأس بعض)؛ ففي الحديث الذي رواه خباب بن الأرت: «صلَّى رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ صلاةً فأطالَها، قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، صلَّيتَ صلاةً لم تَكُن تُصلِّيها، قالَ: أجلْ إنَّها صلاةُ رَغبةٍ ورَهْبةٍ، إنِّي سألتُ اللَّهَ فيها ثلاثًا فأعطاني اثنتَينِ ومنعَني واحدةً، سألتُهُ أن لَا يُهْلِكَ أمَّتي بسَنَةٍ فأعطانيها، وسألتُهُ أن لَا يُسلِّطَ علَيهِم عَدوًّا من غيرِهِم فأعطانيها، وسألتُهُ أن لَا يُذيقَ بعضَهُم بأسَ بعضٍ فمنعَنيها» (صحيح الترمذي).
«سألتُه: ألَّا يُهلِكَ أمَّتي بسَنةٍ»، أي: بقَحْطٍ ومَجاعةٍ تَستأصِلُهم وتُضعِفُهم، «فأَعْطانيها»، أي: أجاب اللهُ عزَّ وجلَّ له تِلك الدَّعوةَ، «وسأَلتُه ألَّا يُسلِّطَ عليهم عدوًّا مِن غيرِهم»، أي: ولا يَكونَ هَلاكُهم بعَدوٍّ مِن الكفَّارِ يَستبيحُهم، فيَستأصِلُهم ويُضعِفُهم، «فأعطانيها»، أي: فأجابَه اللهُ عزَّ وجلَّ الثَّانيةَ، «وسَألتُه ألَّا يُذيقَ بعضَهم بأسَ بعضٍ»، أي: ألَّا يقَعَ بينَهم فُرقةٌ وقِتالٌ تُهلِكُهم وتُضعِفُهم، «فمَنَعَنيها»، أي: لم يُجِبِ اللهُ عزَّ وجلَّ له تلك الدَّعوةَ.
وفي هذا ورَد قولُه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: 65]. وها نحن نعيش بأس بعضنا البعض، تناحر وتنازع بين الأمة الإسلامية.
وفي الحديث الذي رواه جابر بن عبد الله: «لَمَّا نَزَلَت هذه الآيةُ: ﴿قُل هو القادِرُ على أن يَبعَثَ عليكم عَذابًا مِن فوقِكُم﴾ [الأنعام: 65]، قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أعوذُ بوجهِك، قال: ﴿أو مِن تَحتِ أرجُلِكُم﴾، قال: أعوذُ بوجهِك، ﴿أو يَلبِسَكُم شيَعًا ويُذيقَ بَعضَكُم بَأسَ بَعضٍ﴾، قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هذا أهونُ -أو: هذا أيسَرُ» (صحيح البخاري).
أَرْسلَ اللهُ سبحانه وتعالى على المُعانِدينَ والمكذِّبِينَ ألْوانًا وأصنافًا مِنَ العذابِ والانتقامِ، وفي قولِه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام: 65] إشارةٌ إلى بَعضِ هذه الأصنافِ مِن العذابِ؛ فقولُه تعالى: ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ كَالحِجارةِ الَّتي أُرْسِلَتْ على قَومِ لُوطٍ، والماءِ المنْهمِرِ الَّذي أُنزلَ على قومِ نُوحٍ فَأغرَقَهم، وغيرِ ذلك، وقولُه تعالَى: ﴿مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ كالخَسفِ بِقارونَ وإغراقِ آلِ فِرعونَ، وقولُه تعالَى: ﴿يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾، أي: يَجعَلَكم فِرقًا مُتخالِفِينَ.
ويروي جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّه لَمَّا أُنزلَتْ هذه الآيةُ، قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عند قولِه تعالَى: ﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾: «أَعوذُ بِوجهِك»، أي: أَستجيرُ بِك وَألْتَجئُ إليك، وكذا قال عندَ قولِه: ﴿مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾، وَلَمَّا نزلتْ: ﴿يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال: «هذا أهوَنُ»، أي: الاختلافُ والفِتنةُ أيسرُ مِنَ الاستئصالِ والانتقامِ بعَذابِ اللهِ، وإنْ كانتِ الفتنةُ مِن عَذابِ اللهِ، لكنْ هي أخفُّ؛ لأنَّها كفَّارةٌ لِلمؤمنينَ، أعاذَنا اللهُ مِن عَذابِه ونِقَمِه.
وفي الحَديثِ: إثباتُ الوَجْهِ لله سبحانه على ما يليقُ بذاتِه وجَلالِه.
(وقرأ أبو عبد الله المدني: “يُلبسكم” بضم الياء من “ألبس” رباعياً، وفيه وجهان، أحدهما: أن يكون المفعول الثاني محذوفاً تقديره: أو يلبسكم الفتنة. و”شيعاً” على هذا حال أي: يُلْبِسكم الفتنة في حال تفرُّقكم وشتاتكم. والثاني: أن يكون “شِيعاً” هو المفعولُ الثاني كأنه جعل الناسَ يلبسون بعضَهم مجازاً كقوله).
واختلاف الأمة: لا يخفى على عاقل ما تعيشه أمة الإسلام اليوم من تنازع وفرقة واختلاف وتشرذم، أدى إلى ضعفها وزيادة العداوات فيما بين أفرادها، ونشوب الحروب هنا وهناك، وسفك للدماء البريئة المعصومة لمجرد الاختلاف بين أبناء الدين الواحد، والبلد الواحد، واللغة الواحدة، والتاريخ المشترك. ولا سبيل إلى حل هذه المشكلة؛ أي: التنازع والاختلاف والتفرُّق، إلا بالبحث عن أسبابها ومعرفة آثارها الخطيرة على الفرد والمجتمع، ووصف العلاج الناجع لها، يقوم بذلك العلماء والمخلصون من أبناء هذه الأمة.
قبل أن نتحدَّث عن المشكلة وأسبابها وآثارها وعلاجها؛ لا بد أن نعلم أن الله سبحانه وتعالى قد جعل الاختلاف بين الناس أمراً قدرياً كونياً، لا بد أن يقع، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: 118]؛ أي: لو شاء الله جل وعلا لجعل الناس كلهم مؤمنين، أو لجعلهم كلهم كافرين.
خلق الله الاختلاف، وأمر بالاجتماع والائتلاف، بيَّن أسباب الافتراق والاختلاف والتنازع، وبيَّن أيضاً وسائل وعوامل الاجتماع والائتلاف والاتحاد بين الناس.
والفتن والابتلاءات أنواعٌ وصور: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (الأنبياء: 35)، فمنها السراء والضراء، ومنها الفتنة بانتشار المنكرات وغلبة الأهواء، وكثرة الدعاة على أبواب جهنم وكثرة الاختلاف، وخلط الحق والباطل.
ومن الفتنة أن يتعرض المؤمن للأذى من الباطل وأهله ثم لا يملك النصر لنفسه ولا المنعة، ومن الفتنة أن يعيش المؤمن بدينه كالغريب بين الناس.. قال رسول الله ﷺ: «بَدَأَ الإسْلامُ غَرِيباً، وسَيَعُودُ غَرِيباً كَمَا بَدَأ؛ فَطُوْبَى لِلْغُربَاء» (رواه مسلم).


