
بقلم: اللواء أشرف عبد العزيز الخبير الأمني والاستراتيجي
في زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي قادرة على صناعة محاكمات شعبية خلال ساعات، بات من الضروري التمييز بين الانفعال والحقيقة، وبين الضجيج والوقائع، وبين الرأي والدليل.
ومن القضايا التي أثارت جدلاً واسعاً خلال الفترة الأخيرة، ما أعلنه الدكتور محمد حمودة بشأن مشاركته في إعداد مذكرات الدفاع الخاصة بالراحل الكبير الأستاذ فريد الديب في القضية الأشهر في تاريخ القضاء المصري الحديث، وهي قضية محاكمة الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك.
وبعيداً عن العواطف والانحيازات المسبقة، فإن القراءة الموضوعية للمشهد تفرض علينا التوقف أمام مجموعة من الحقائق والأسئلة المنطقية التي لم تجد حتى الآن إجابات مقنعة.
أولاً: مكانة فريد الديب لا ينازع فيها أحد
قبل أي شيء، يجب التأكيد على حقيقة لا خلاف عليها.
الأستاذ فريد الديب كان وسيظل أحد أعمدة المحاماة المصرية والعربية، وصاحب مدرسة قانونية متفردة في فن الدفاع الجنائي، وتاريخه المهني أكبر من أن تهزه رواية أو شهادة أو خلاف حول تفاصيل العمل داخل قضية بعينها.
ومن الظلم أن يتحول النقاش الدائر إلى معركة بين تقدير فريد الديب أو الاستماع إلى رواية محمد حمودة، وكأن الأمر يفرض الاختيار بين الرجلين.
فالتاريخ المهني للديب ثابت ومستقر ولا يحتاج إلى شهادة من أحد، كما أن مناقشة أي رواية مرتبطة بأحد الملفات القانونية الكبرى لا تعني الانتقاص من قيمة صاحبها أو التشكيك في مكانته.
ثانياً: هل كان حمودة شخصاً عابراً في المشهد؟
من أهم الأسئلة التي يغفلها كثيرون:
إذا كان الدكتور محمد حمودة مجرد شخص عابر أو باحث عن دور متأخر كما يحاول البعض تصويره، فلماذا لجأت إليه أسرة الرئيس الأسبق من الأساس؟
المعلومات المتداولة منذ سنوات، وما ورد في أحاديث وشهادات متعددة داخل الوسط القانوني، تشير إلى أن حمودة كان من أوائل الأسماء التي تم التواصل معها عقب اندلاع الأزمة.
وهنا يفرض المنطق نفسه.
فالعائلات التي تواجه أخطر أزمة سياسية وقانونية في تاريخها لا تختار ممثليها القانونيين بالمصادفة، ولا تمنح ثقتها لأشخاص لا ترى فيهم كفاءة أو قدرة على إدارة ملفات بالغة الحساسية.
مجرد وجود هذا التواصل المبكر ينسف فكرة أن الرجل كان بعيداً تماماً عن المشهد.
ثالثاً: السؤال الذي لم يجب عنه أحد… لماذا صدرت التوكيلات؟
هذه ربما تكون النقطة الأهم في الجدل كله.
بحسب ما تم تداوله على نطاق واسع، فإن توكيلات قانونية صدرت لصالح الدكتور محمد حمودة في المراحل الأولى للأزمة.
وهنا يظهر السؤال المنطقي البسيط:
إذا لم يكن هناك دور قانوني حقيقي للرجل، فلماذا صدرت التوكيلات؟
والأهم من ذلك:
إذا كان البعض يقول إن تلك الفترة لم تكن قد شهدت بعد توجيه الاتهامات أو بدء المحاكمات بالصورة التي عرفها الرأي العام لاحقاً، فلماذا احتاجت الأسرة إلى تحرير توكيلات قانونية من الأساس؟
التوكيل ليس صورة تذكارية.
وليس إجراءً اجتماعياً.
بل هو إجراء قانوني يمنح صاحبه صلاحيات محددة للقيام بمهام قانونية محددة.
ولذلك فإن وجود التوكيل يثبت على الأقل وجود دور حقيقي ومطلوب من صاحبه في تلك المرحلة.
رابعاً: هل من المنطقي أن يخترع شخص هذه الرواية؟
هنا يجب الاحتكام إلى العقل.
الدكتور محمد حمودة ليس شخصية مجهولة تبحث عن بطاقة تعريف.
وليس اسماً ظهر فجأة عبر مواقع التواصل.
الرجل حاصل على درجة الدكتوراه في القانون من جامعة السوربون الفرنسية، إحدى أعرق الجامعات القانونية في العالم، ويمتلك مسيرة مهنية ممتدة داخل مصر وخارجها.
قد يختلف البعض معه في الرأي، وقد يختلفون مع بعض مواقفه، لكن من الصعب منطقياً افتراض أن شخصية بهذا الحجم المهني ستجازف بتاريخها وسمعتها وتضع نفسها في مواجهة الرأي العام بسبب رواية يمكن كشف عدم صحتها بسهولة إذا كانت مختلقة.
السؤال هنا ليس: هل السوربون دليل على صحة الرواية؟
الإجابة لا.
لكن السؤال الأهم:
هل الخلفية الأكاديمية والمهنية الكبيرة تجعل صاحبها أكثر إدراكاً لخطورة إطلاق روايات غير قابلة للإثبات؟
الإجابة بالتأكيد نعم.
خامساً: أين أصحاب الشأن الأصليون؟
من أكثر النقاط إثارة للتأمل أن الجدل يدور منذ فترة طويلة، بينما لم يظهر حتى الآن نفي مباشر وحاسم من أصحاب العلاقة الأصلية أنفسهم.
فإذا كانت الرواية غير صحيحة بالكامل، فمن الطبيعي أن يكون أول من يبادر إلى نفيها هم الأشخاص الذين عاشوا تلك الوقائع بأنفسهم.
ولا يعني ذلك أن الصمت دليل قطعي على صحة الرواية.
لكن من المؤكد أنه ليس دليلاً على بطلانها.
والمنطق يقول إن غياب الرد المباشر من أصحاب الشأن الأصليين يترك الباب مفتوحاً أمام التساؤلات المشروعة.
سادساً: هل مشاركة آخرين في إعداد المذكرات تنتقص من فريد الديب؟
الإجابة المهنية الواضحة: لا.
في أكبر القضايا والمحاكم ومكاتب المحاماة في العالم، لا يعمل أحد بمفرده.
هناك فرق بحث قانوني، ومساعدون، ومعدو مذكرات، وخبراء، ومستشارون.
وهذا لا ينتقص من قيمة قائد الفريق.
بل يعكس حجم القضية وتعقيدها.
لذلك فإن مجرد الحديث عن مساهمة شخصية قانونية أخرى في إعداد أو مراجعة أو صياغة بعض الأعمال القانونية لا يمس مكانة الأستاذ فريد الديب ولا يقلل من دوره التاريخي.
سابعاً: قراءة موضوعية للبيان الصادر عن مكتب فريد الديب
البيان الصادر عن مكتب الأستاذ الراحل حمل دفاعاً قوياً عن تاريخه ومكانته، وهو أمر مفهوم وطبيعي.
لكن المتابع المحايد يلاحظ أن الجزء الأكبر من البيان انشغل بوصف الأشخاص والرد عليهم أكثر من انشغاله بتفنيد الوقائع ذاتها.
فالبيان تحدث عن مكانة فريد الديب، وهي مكانة لا ينازع فيها أحد.
وتحدث عن بعض الأشخاص الذين حاولوا الاقتراب من اسمه أو الاستفادة من شهرته.
لكن الرأي العام ما زال ينتظر الإجابة عن الأسئلة الجوهرية:
هل صدرت التوكيلات أم لا؟
هل كان هناك دور قانوني لحمودة أم لا؟
هل توجد مستندات تؤيد أو تنفي ذلك؟
هذه الأسئلة لا تزال قائمة، وهي وحدها القادرة على حسم الجدل.
ثامناً: الحقيقة لا تُحسم بالترند
للأسف، أصبح كثير من القضايا العامة يُدار بمنطق “من يرفع صوته أكثر”.
لكن التاريخ لا يكتبه الترند.
والحقائق لا تُحسم بالهجوم أو السخرية أو التصفيق.
ما يبقى في النهاية هو المستند والواقعة والشهادة القابلة للتحقق.
ولهذا فإن التعامل العقلاني مع هذه القضية يقتضي الابتعاد عن الشخصنة، واحترام جميع الرموز القانونية، وانتظار ما لدى كل طرف من وثائق وأدلة.
الخاتمة
القضية في جوهرها ليست دفاعاً عن شخص ضد شخص.
وليست مقارنة بين قامة قانونية وأخرى.
بل هي قضية تتعلق بحق الرأي العام في معرفة الحقيقة كاملة.
فريد الديب سيظل اسماً كبيراً في تاريخ المحاماة المصرية.
ومحمد حمودة يظل شخصية قانونية وأكاديمية معروفة، تستحق روايته أن تُسمع وأن تُناقش بموضوعية.
أما الحقيقة، فلن يحسمها الغضب، ولن يصنعها الترند، ولن يفرضها الانفعال.
الحقيقة وحدها هي التي ستنتصر في النهاية، لأنها لا تحتاج إلى ضجيج… بل تحتاج فقط إلى دليل


