أخبارتقارير

اللواء أشرف عبد العزيز يكشف ما وراء الضجيج.. من المستفيد من تحويل القضايا القانونية إلى ترند؟

من الظواهر الإيجابية التي تستحق التقدير في المجتمع المصري حالة الاهتمام الواسعة بتاريخ الرموز الوطنية والقانونية، والحرص على توثيق الأدوار التي لعبتها الشخصيات المؤثرة في المحطات الفارقة من تاريخ الدولة.

غير أن هذا الحرص المشروع قد يتحول أحيانًا، بفعل بعض الحسابات الضيقة، إلى ساحة صراع لا تستهدف الوصول إلى الحقيقة بقدر ما تستهدف تحقيق مكاسب إعلامية أو مهنية عابرة.

فالجدل المثار مؤخرًا بشأن كواليس إعداد مذكرات الدفاع في إحدى أشهر القضايا التاريخية لم يعد مجرد نقاش قانوني أو توثيقي، بل أصبح نموذجًا يستحق الدراسة حول كيفية صناعة الأزمات على المنصات الرقمية، وكيف يمكن لبعض أصحاب المصالح أن يوظفوا حالة الاستقطاب لخدمة أهداف لا علاقة لها بالحقيقة أو التوثيق.

من منظور أمني واستراتيجي، فإن الأزمات الكبرى غالبًا ما تجذب نوعين من الفاعلين؛ النوع الأول يبحث عن الحقيقة، أما النوع الثاني فيبحث عن فرصة للظهور وإعادة التموضع وحجز مكان في المشهد العام.

وبمتابعة ما جرى خلال الأيام الماضية، يتضح أن جزءًا من الضجيج الدائر لم يكن موجهًا لمناقشة الوقائع أو فحص الأدلة، وإنما انصرف إلى استهداف الأشخاص وإطلاق الأحكام المسبقة، وكأن الهدف هو صناعة محكمة شعبية على مواقع التواصل الاجتماعي بدلًا من إجراء نقاش مهني قائم على المستندات والحقائق.

وليس سرًا أن بعض الأزمات تصبح بالنسبة للبعض فرصة ذهبية لاستعادة الأضواء أو تصفية حسابات قديمة أو تقديم أنفسهم باعتبارهم أوصياء على التاريخ والحقيقة. وهؤلاء يدركون جيدًا أن الجدل يحقق انتشارًا أسرع من النقاش العلمي الرصين، لذلك يتم أحيانًا دفع القضية إلى مساحات الاستقطاب بدلاً من مساحات الفحص الموضوعي.

والحقيقة أن الجدل الدائر كان يمكن أن يكون أكثر فائدة لو انصرف إلى مناقشة الوقائع والمستندات بدلاً من مناقشة الأشخاص والنوايا. فالتاريخ المهني لا يُراجع بالمواقف العاطفية، ولا تُهدم الروايات أو تُثبت بحملات التأييد والرفض. وما دام الحديث يدور حول وقائع محددة وأدوار محددة، فإن الفيصل الطبيعي يظل هو الدليل القابل للتحقق، لا حجم الضجيج المصاحب له. ولذلك فإن أي محاولة لاستبدال منطق الإثبات بمنطق الحشد الجماهيري تمثل خروجًا بالقضية من ساحة التقييم الموضوعي إلى ساحة الاستقطاب والانفعال.

ومن بين الحقائق التي يصعب تجاوزها في هذا السياق مسألة التوكيلات الرسمية التي صدرت في بداية الأزمة.

فالتوكيل القانوني ليس إجراءً شكليًا أو مجاملة اجتماعية، وإنما أداة قانونية تمنح صاحبها صلاحيات ومسؤوليات محددة. ولذلك فإن وجود توكيلات رسمية موثقة يظل واقعة موضوعية تستحق المناقشة القانونية الهادئة بعيدًا عن حملات التشكيك أو الإنكار.

كما أن المنطق المهني يفرض نفسه عند تقييم أي رواية مطروحة. فالشخصيات التي تمتلك رصيدًا أكاديميًا ومهنيًا ممتدًا لعقود لا يمكن التعامل مع مواقفها بمنطق الشائعات أو الأحكام الانفعالية، بل بمنطق الفحص والتدقيق والمراجعة. فالرد على الرواية يكون برواية مضادة مدعومة بالدليل، وليس بحملات التشويه أو المصادرة المسبقة.

كذلك فإن طبيعة القضايا الكبرى والمحاكمات التاريخية تؤكد أن العمل القانوني في مثل هذه الملفات لا يكون عملًا فرديًا خالصًا، وإنما ثمرة جهود مشتركة تضم باحثين ومستشارين ومساعدين قانونيين وخبراء يعملون خلف الكواليس. وهذا أمر طبيعي ومعروف في جميع النظم القانونية الكبرى حول العالم، ولا ينتقص بأي حال من قيمة أو مكانة قائد فريق الدفاع الذي يتصدر المشهد أمام المحكمة والرأي العام.

الخلاصة

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي قضية عامة هو أن تتحول من نقاش حول الأدلة إلى صراع حول الأشخاص، ومن بحث عن الحقيقة إلى سباق على نسب المشاهدات والتفاعل.

فالتاريخ لا يكتبه الأكثر صخبًا، ولا تحسمه حملات التأييد أو الهجوم، وإنما تحسمه الوثائق والشواهد والحقائق القابلة للتحقق.

أما الباحثون عن الأدوار المؤقتة، فإن حضورهم غالبًا ما يرتبط بعمر الأزمة نفسها، وما إن ينتهي الجدل حتى تتلاشى أسماؤهم من المشهد. بينما يبقى الأثر الحقيقي لمن امتلك الدليل، وقدم العمل، وترك خلفه ما يستحق أن يُوثق ويُحترم.

وفي النهاية، ستظل قاعدة القانون والتاريخ واحدة لا تتغير: الحقيقة لا تحتاج إلى ضجيج كي تثبت وجودها، لكنها تحتاج فقط إلى دليل

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!