
متابعة: مروان محمد
في وقت تتزايد فيه المخاوف من توظيف التكنولوجيا في الصراعات الدولية، كشف الخبير الأمني والاستراتيجي اللواء أشرف عبد العزيز عن رؤيته لأحد أكثر الملفات إثارة للجدل، وهو مشروع “نيمبوس”، الاتفاقية التي أبرمتها الحكومة الإسرائيلية مع شركتي جوجل وأمازون عام 2021 بقيمة تقدر بنحو 1.2 مليار دولار لتقديم خدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي.

وأكد اللواء أشرف عبد العزيز، في تصريحات خاصة لـ “جريدة الممر”، أن القضية لم تعد تتعلق بصفقة تجارية بين حكومة وشركتين عالميتين، بل تثير تساؤلات عميقة حول مستقبل الأمن السيبراني وحياد شركات التكنولوجيا الكبرى في النزاعات الدولية.
وقال عندما تصبح البنية التحتية الرقمية جزءًا من منظومة الصراع، فإننا لا نتحدث فقط عن خدمات سحابية، وإنما عن عنصر إستراتيجي قد يؤثر في موازين القوة وجمع المعلومات وإدارة العمليات، أن التقارير الدولية التي تناولت المشروع تفتح الباب أمام نقاش واسع حول مسؤولية الشركات العالمية عند استخدام تقنياتها في مناطق النزاع، ومدى خضوعها للضوابط القانونية والأخلاقية.
الغمزة الرقمية واختراق السيادة القانونية
وأشار اللواء أشرف عبد العزيز إلى أن تحقيقًا مشتركًا نشرته صحيفة “الجارديان” البريطانية بالتعاون مع مجلة 972+ Magazine وموقع Local Call الإسرائيلي استعرض وثائق تتعلق بمشروع “نيمبوس”، وأثار تساؤلات حول بعض الآليات القانونية والإجرائية المرتبطة بالتعامل مع طلبات الحصول على البيانات.
وأوضح أن التحقيق تناول أيضًا ما يعرف باسم “Warrant Canary”، أو “الغمزة الرقمية”، وهي آلية معروفة في المجال التقني والقانوني، تستخدمها بعض الشركات للإشارة بصورة غير مباشرة إلى وجود تطورات قانونية عندما يمنعها القانون من الإفصاح المباشر عنها.
البعد القانوني الدولي: غياب الرقابة وتشابك الاختصاصات

وفي قراءة قانونية دقيقة لهذه المعطيات، دخل المحامي الدولي المستشار محمود عنتر على خط الأزمة، مؤكدًا لـ “جريدة الممر” أن مشروع “نيمبوس” يمثل تحديًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني وقوانين حماية خصوصية البيانات العابرة للحدود.
وصرح المستشار محمود عنتر قائلا: إبرام صفقات تكنولوجية تتيح تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية لأطراف صراع دولي يضع الشركات التكنولوجية العملاقة تحت طائلة المسؤولية القانونية والأخلاقية، خاصة إذا تم استخدام هذه البيانات والتقنيات في تسهيل عمليات تنتهك حقوق الإنسان .
وأضاف عنتر: الآليات التقليدية للقانون الدولي تواجه فجوة تشريعية ضخمة أمام ‘الحرب الرقمية’. استخدام حيل قانونية مثل ‘الغمزة الرقمية’ (Warrant Canary) يثبت أن هذه الشركات باتت تقع تحت ضغوط سيادية تجبرها على مشاركة البيانات، مما يفقدها صفة ‘الحياد الرقمي’ ويجعل بيانات المستخدمين حول العالم في مهب الريح دون غطاء قانوني دولي يحميهم.”
من “نيمبوس” إلى شحنات أمازون: أين تذهب بيانات المصريين؟
ويطرح هذا الملف تساؤلات جديدة بعد مطالبة عدد من العملاء المصريين برفع صورة بطاقة تحقيق الشخصية عند بعض إجراءات إرجاع الشحنات عبر منصة أمازون، وهو ما أعاد الجدل حول حجم البيانات الشخصية التي تجمعها المنصات الرقمية العالمية، وكيفية إدارتها وحمايتها والجهات التي يمكنها الوصول إليه .
القضية لا تتعلق بأمازون وحدها، فمعظم المنصات الرقمية الكبرى تعتمد على جمع كميات هائلة من البيانات للتحقق من الهوية ومكافحة الاحتيال وتحسين الخدمات. لكن السؤال الحقيقي هو: أين تُخزن هذه البيانات؟ ومن يملك حق الوصول إليها؟ وما الضمانات القانونية التي تحمي المستخدمين؟” .
عندما نجمع بين ما كشفته التحقيقات الأجنبية بشأن مشروع نيمبوس وبين التوسع العالمي في جمع البيانات الشخصية، يصبح من المشروع أن نطالب بمزيد من الشفافية والرقابة. البيانات اليوم أصبحت أحد أهم الموارد الإستراتيجية، وهناك سباق عالمي للسيطرة عليها .
ومن جانبه، علق المستشار محمود عنتر على هذه الجزئية محذرًا من خطورة التهاون في جمع الهويات الرسمية للمواطنين، قائلاً: “طلب صورة بطاقة الرقم القومي من المستهلكين لإجراءات روتينية كإرجاع الشحنات هو إجراء يتخطى حدود ‘التحقق التشغيلي’ إلى مربع ‘جمع البيانات السيادية’. وفقًا لقوانين حماية البيانات الشخصية المحلية والدولية، لا يحق لأي شركة أجنبية تخزين وثائق رسمية لمواطنين خارج حدود دولتهم دون رقابة صارمة، لأن تسريب هذه القواعد أو إتاحتها عبر سحابات تكنولوجية مرتبطة باتفاقيات أمنية مثل ‘نيمبوس’ يمثل خرقًا للأمن القومي.”
ختام التحقيق، اتفق كلاً من اللواء أشرف عبد العزيز والمستشار محمود عنتر على ضرورة تفعيل وتطوير الأطر التشريعية الوطنية والدولية لمواجهة “تغول” شركات التكنولوجيا، وتشديد الرقابة على كيفية خروج ودخول البيانات عبر الحدود، لحماية الأمن القومي وأسرار المواطنين في عصر لم تعد فيه الحروب تُخاض بالسلاح التقليدي وحده، بل بالـ “ميجابايت” والذكاء الاصطناعي.





