«ليسَ الشَّديدُ بالصُّرَعَةِ»

بقلم: د. ياسر جعفر

نعيش مع نصيحة هامة جداً من نصائح رسول الإنسانية ﷺ؛ دائماً نصائح رسول الإنسانية ذهبية للناس جميعاً، وهنا يخاطب جميع الناس ويقول في الحديث الذي رواه أبو هريرة: «ليسَ الشَّدِيدُ بالصُّرَعَةِ، إنَّما الشَّدِيدُ الذي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ» (صحيح البخاري).
هنا يبين رسول الله ﷺ نصيحة وقائية من الطب النبوي العظيم، وهذه النصيحة من النصائح الطبية الهامة في الطب الوقائي؛ يبين رسول الإنسانية أن الإنسان القوي هو الذي يتحكم في نفسه عند الغضب وعند المواقف التي تجعله عصبياً. ففي الحلم والتحكم عند الغضب وقاية من شر، وربما حدثت كثير من حالات غضب حدث فيها القتل؛ دُفن المقتول وسُجن صاحب الغضب. وأيضاً صاحب الغضب يحدث له أمراض تؤدي به إلى الأمراض التي تفتك به مثل: الذبحة الصدرية، والجلطات، والسكتة الدماغية.
وهذه النصيحة تنطبق على الفرد والمجتمع والدولة؛ على الفرد أن يتحكم في أعصابه وأن يكون حليماً في المواقف التي تثير أعصابه، حتى لا يقع في ندمٍ هو في غنى عنه. اتخذ أسلوب التجاهل “مش هتخسر حاجة”، واحذر من فتنة الشيطان وقت الغضب من وساوس: “أنت ضعيف”، “وأنت مش قادر تأخذ حقك”، “وأنت ليه ما ضربته؟”. واعلم حينما تتحكم في أعصابك عند الغضب أنك قوي وليس ضعيفاً.
كما بيّنه رسول الإنسانية في الحديث: القوي الذي يكون حليماً عند الغضب. ولذلك على المستوى الدولي، كما نشاهد الفتن على الساحة من حروب الفتن التي أشعلتها الصهيونية الأمريكية والإسرائيلية؛ هنا استفزاز لإشعال الفتن في الشرق الأوسط بالحروب من “شوية مرتزقة وبلطجية وسفلة”، يريدون إشعال الفتن بين الدول، يضربون إيران وتستفز إيران فتغضب وتضرب في دول الخليج، “علشان” دول الخليج تغضب وتضرب في إيران والدنيا “تولع”. نصيحتي المتواضعة: ينبغي على دول الخليج أن تلتزم بالحكمة والحلم بعدم الرد على إيران، مش معنى ذلك أن هذا ضعف، كلاً وألف كلاً، هذا هو منبع القوة.
ودول الخليج تعز علينا جميعاً، وهم يريدون أن تقع المملكة العربية السعودية في شباك الفتنة؛ لأن هؤلاء قلوبهم مريضة بالدم والحقد الأسود، والكل لا يريد السعودية الشقيقة والغالية على المسلمين جميعاً أن تقع في الفتن. اللهم احفظ بلاد المسلمين من شر الفتن ما ظهر منها وما بطن. القوي هو الذي يتحكم وقت الغضب لتجنب كوارث وفساد. وعد الله سبحانه وتعالى على هؤلاء بالتدمير آتٍ، وإسرائيل في طريقها لنهايتها قريباً جداً، وكل اللي على الساحة مهاترات وخزعبلات لإشعال الفتن وجر دول للفتن!؟
الغضب غريزة ركبها الله في طبيعة الإنسان، وهو: تغير يحصل عند فوران دم القلب؛ ليحصل عنه التشفي في الصدر، والناس متفاوتون في مبدئه وأثره؛ ومن ثَمَّ كان منه ما هو محمود وما هو مذموم؛ فمن كان غضبه في الحق، ولا يجره لما يفسد عليه دينه ودنياه؛ فهو غضب محمود. ومن كان غضوباً في الباطل، أو لا يستطيع التحكم في غضبه إذا غضب، ويجره الغضب لتجاوز الحد، وإفساد دينه ودنياه؛ فهذا غضب مذموم.
وفي هذا الحديثِ يَرْوي أبو هُريرةَ رَضيَ اللهُ عنه: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «ليس الشَّديدُ بالصُّرَعةِ»، أي: لا تظُنُّوا أنَّ الرَّجلَ القويَّ هو ذلك الرَّجلُ الَّذي يَتمتَّعُ بقوَّةٍ بَدنيَّةٍ يَستطيعُ بها أنْ يَصرَعَ الآخَرين، وإنَّما الرَّجلُ القويُّ حقًّا الكاملُ في قوَّتِه، هو الرَّجلُ القويُّ في إرادتِه، الَّذي يَستطيعُ أنْ يَتحكَّمَ في نفْسِه عندَ الغَضبِ، ويَكظِمَ غَيْظَه ويتحَلَّمَ، ويَمنَعُ نفْسَه عن تَنْفيذِ ما تَدْعوه إليه مِن إيذاءِ النَّاسِ بالشَّتْمِ والضَّرْبِ والعُدوانِ، وغيرِ ذلك من أنواعِ الإيذاءِ.
وهذا يدُلُّ على أنَّ مجاهَدةَ النَّفسِ أشَدُّ مِن مجاهدةِ العَدُوِّ؛ لأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جعل للذي يملِكُ نَفْسَه عند الغَضَبِ من القُوَّةِ والشِّدَّةِ ما ليس للذي يغلِبُ النَّاسَ ويَصرَعُهم.
وفي الحَديثِ: أنَّ مِن أعظمِ الأدلَّةِ على قوَّةِ الشَّخصيَّةِ: الحِلمَ، وضَبْطَ النَّفسِ عندَ الغضبِ.
وفيه: أنَّ الغضَبَ وإنْ كان غَريزةً نفْسيَّةً جبَّارةً، فإنَّه يُمكِنُ مُقاومتُه بعْدَ وُقوعِه.
وفيه: أنَّ مُقاومةَ الغضبِ وامتلاكَ النَّفسِ عند وُقوعِه، مِن أفضلِ الأعمالِ الصَّالحةِ الَّتي يُثابُ عليها.
وفيه: فَصيحُ كَلامِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وتصويبُه للمفاهيمِ الخاطِئةِ؛ لأنَّه لَمَّا كان الغضبانُ في حالةٍ شَديدةٍ مِن الغيظِ، وقدْ ثارَتْ عليه شَهوةُ الغضبِ، فقهَرَها بحِلمِه، وصرَعَها بثَباتِه -كان كالصُّرَعةِ الَّذي يَصرَعُ الرِّجالَ ولا يَصْرَعونَه، فالغضب يحصل به مفاسد عظيمة إذا أنفذه الإنسان؛ فلا تعمل بما يأمرك به الشيطان عند الغضب، بل جاهِد نفسك على ترك تنفيذه، واستعن بالله على ذلك فهو خير معين، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
فالذي يملك نفسه عند الغضب ويردّها عنه، هو القوي الشديد والنهاية في الشدة لغلبته هواه المُرْدِي الذي زيَّنه له الشيطان المغوي، فدل هذا على أن مجاهدة النفس أشد من مجاهدة العدو، داء خطير ، وصفة شيطانية ، ومرض انتشر في بعض النفوس ، أدى إلى خروجها عن طورها وتفكيرها ، إنه مرض أدى إلى القتل ، وإلى طلاق الزوجات وفراق الإخوان ، وتنازع الأقارب !، حذَّرَ منه رسول الله ﷺ أصحابَه الكِرام ، إنه داء ومرض الغضب .
لو تصفَّحنا كتاب الله سنجد أن الله امتدح عباده المؤمنين الذين يَملكون أنفسهم عند الغضب، ويغفرون، ويصفحون، ويعفون، قال تعالى: {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ}، وقال تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.
وكم من مسلم اليوم بسبب لحظة غضب هَدَمَ أُسرته، وشتت شملها! وكم من شخص بسبب غضبه هدم كل عناصر الودِّ والصداقة مع أصحابه وأقاربه!! وقد قال الخليفة الراشد علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: «أول هذه الظاهرة جنون، وآخرها ندم». انظروا إلى سيرة خير القرون، الذين كانوا أصفياء القلوب، إلى الذين كانوا أشداء على الكفار رحماء بينهم؛ لتروا كيف دفعوا بالتي هي أحسن، وكيف ابتعدوا عن الظاهرة الشيطانية، وكيف سيطروا على أنفسهم.
ويكفي أن تنظر إلى سيرة أفضل البشر نبينا محمد ﷺ؛ لأنه إذا ذُكرت الأخلاق فنبينا صاحبُها، وإذا ذُكرت التربية فنبينا معلمها وأستاذها، وصدق الله: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}. في ذات يوم، وبينما رسول الله ﷺ يوزِّع الغنائم على المسلمين، يأتيه أعرابيٌّ فيخترق المجلس، ويقول للنبي ﷺ: “زِدْني يا محمد؛ فليس المال مالك، ولا مال أبيك”؛ فتبسَّم النبي ﷺ وقال: «صدقتَ؛ إنه مال الله». فالنبي ﷺ لم يَحْقِد على هذا الأعرابي الفظِّ، الذي كان جافياً في عباراته، بل قال له النبي ﷺ: «صدقتَ يا أخا العرب؛ إنه مال الله»، وزاده عطاءً.
وكان عمر -رضي الله عنه- واقفاً، فقال: “يا رسول الله، دَعْنِي أضرب عنق هذا الأعرابي؛ فهذا الإنسان تجاوز حدَّه”، فقال ﷺ: «يا عمرُ، دعه؛ فإن لصاحبِ الحقِّ مقالاً». ليس هناك انتقام للنفس، ليس هناك انتقامٌ للشخصية، ولكن هناك قلب رحيم ﷺ؛ فلم يكن يغضب -عليه الصلاة والسلام- إلا إذا انتهكت محارم الله، ومقترناً بالحكمة والموعظة الحسنة، وهذا هو الغضب المحمود الذي من أجل الله، وليس من أجل الدنيا.
يخاطبني السفيه بكل قبحٍ ** فأكره أن أكون له مجيبا
يزيد سفاهةً فأزيد حلمـاً ** كعودٍ زاده الإحراق طيبا
وسُئل الإمام أحمد -رحمه الله- عن حسن الخلق فقال: «حسن الخلق أن لا تغضب». وفي الحديث الذي رواه معاذ بن أنس: «مَن كَظَمَ غيظاً وهو قادرٌ على أن يَنْفِذَه، دعاه اللهُ عزَّ وجلَّ على رؤوسِ الخلائقِ يومَ القيامةِ حتى يُخَيِّرَه اللهُ مِن الحُورِ ما شاءَ» (صحيح أبي داود).
أثنى الله تعالى على الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، وأحبَّهم بإحسانهم، وفي هذا الحديث يبين النبي ﷺ فضل من يكظم غيظه فيقول: «مَن كظم غيظاً» أي: احتمل الغضب في نفسه وأمسك عليه ولم يخرجه، «وهو قادرٌ على أن ينفذه» أي: وهو قادر على أن ينتصر لنفسه، وإمضاء غضبه، «دعاه الله عزَّ وجلَّ على رؤوس الخلائق يوم القيامة» أي: تباهى الله به يوم القيامة، وشهره بين الناس بأنه صاحب هذه الخصلة العظيمة؛ وذلك لأنه قهر النفس الأمارة بالسوء، وتغلب عليها، وتجرع مرارة الصبر في ذات الله، «حتى يخيره الله من الحور ما شاء» أي: حتى يدخله الجنة، ويأخذ ما أعجبه من نساء أهل الجنة، وفي هذا من الرفعة والمكانة ما لا يعلمه إلا الله.





